في الوقت الذي تثير أيّ قضية في لبنان، صغيرة كانت أو كبيرة، نقاشاً وأخذاً ورداً وصولاً إلى تعطّل جلسات الحكومة، كان لافتاً أنّ مشاركة لبنان في التحالف الدولي - العربي ضد «الدولة الإسلامية» حصلت من دون أيّ نقاش باستثناء بعض الصدى الإعلامي لقوى 8 آذار الذي لا بدّ منه رفعاً للعتب.

التصوّر المنطقي للأمور كان يفترض أن يكون على الشكل الآتي: قوى 14 آذار مع التحالف الدولي - العربي، لأنّ لبنان يشكل جزءاً لا يتجزأ من الشرعيتين الدولية والعربية، ولأنّ حماية لبنان تكمن في هاتين الشرعيتين اللتين، وعلى رغم وجودهما، لا يتردد النظامان السوري والإيراني من محاولة الهيمنة على لبنان، ولأنّ المواجهة هي مع الإرهاب الذي يقف في مواجهته أيضاً محور الممانعة، إذ انّ الإشكالية الفعلية كانت لو أنّ المطروح الانخراط في تحالف لإسقاط النظام السوري. وأمّا قوى 8 آذار فكان يفترض أن تكون ضد هذا التحالف وتطلب من حليفها وزير الخارجية الامتناع عن المشاركة، وتهدّد بالاستقالة من الحكومة، وتلجأ ربما إلى تحريك الشارع بواسطة ما يسمّى بالأهالي، وذلك تضامناً مع استبعاد موسكو وطهران ودمشق. ولكن كل ذلك لم يحصل، وحتى مجرّد النقاش داخل مجلس الوزراء حول جدوى هذه المشاركة أو عدمها لم يتمّ، ما يعني أنّ «حزب الله» مع المشاركة في التحالف، ولكنه يريد أن يحفظ خط العودة في حال تحوّل هذا التحالف باتجاه النظام السوري. ولذلك، محور الممانعة هو من أكثر الأطراف استفادة من ضرب «الدولة الإسلامية»، ولا بل وصلَ إلى حد انتقد فيه التقصير الدولي في مواجهة «داعش» في مواقف تعكس مدى التناقض في مقاربته بين تأييده وغَضّ نظره سابقاً عن استهداف نظام صدام حسين واليوم «الدولة الإسلامية»، وبين اعتباره ضَرب النظام السوري من قبل أيّ تحالف غزواً واستعماراً. كما التناقض بين ترحيبه بالتحالف في حال ضمّ إيران والنظام السوري، والتنديد به كلامياً بسبب رفضه ضَمّ طهران ودمشق. ويبدو أنّ اللقاء الذي جمعَ السيّد حسن نصرالله والعماد ميشال عون بحضور الوزير جبران باسيل والحاج وفيق صفا كان من أبرز أهدافه، التي لم يُعلَن عنها بطبيعة الحال، كيفية إدارة باسيل لهذا الملف، خصوصاً أنه لم يطرأ أيّ تطوّر على المستوى الرئاسي يستدعي عقد هذا اللقاء، كما لم يظهر أيّ تحوّل من بعده، والبيان الرسمي لم يتجاوز العموميات بكلام خارج السياق عن تعميم «وثيقة التفاهم»، ما يرجّح أن يكون توقيت اللقاء مرتبطاً بمشاركة لبنان في ظلّ تقاطع أجندتي الطرفين على هذه المشاركة. أولاً، على مستوى عون: حسابات رئيس تكتل «الإصلاح والتغيير» تكتية ومرتبطة برئاسة الجمهورية، حيث أنّ عدم المشاركة تُفقِده الغطاء الدولي والعربي وتجعل حظوظه معدومة، فيما مشاركته تمنحه فرصة التواصل مع عواصم القرار وتسويق «الجنرال» بأنه الأقدر على اتّباع سياسات لا تتعارض مع التوجهَين الدولي والعربي، ولا تصطدم في الوقت نفسه مع حسابات محور الممانعة، كما تمنحه فرصة التقارب مع وزراء خارجية العالم المؤثّرين، وبالتالي المشاركة تشكّل فرصة لا يمكن أن يفوتها. وفي هذا السياق بالذات يندرج اللقاء مع السيّد نصرالله لانتزاع موافقته، هذه الموافقة التي ما كانت لتتمّ لولا مصلحة إيران و»حزب الله» بانضمام لبنان إلى التحالف. ولكن، وبمعزل عن أنّ هذه المحاولة لن تُبدّل شيئاً في حظوظ العماد عون باعتبار انّ تموضعه لا يتناسب مع طبيعة المرحلة وتوازناتها التي تتطلّب شخصية توافقية لا رأس حربة في المحور الآخر، إلّا أنّ منح عون وزارة الخارجية تحت عنوان رفض المداورة خطوة أقلّ ما يُقال فيها إنها تفتقد إلى التبصُّر، فيما كان من الأجدى تشجيعه على البقاء في قطاع الموارد. ومن الواضح أنّ العماد عون يعوّل على هذه الخطوة، ويعتبر ضمناً أنّ الدينامية التي ستُطلقها المعركة العسكرية، ستولد دينامية دولية - عربية لانتخاب رئيس جديد في لبنان، وبالتالي يلعب هذه الورقة باعتبارها فرصته الأخيرة. ثانياً، على مستوى «حزب الله»: حسابات الحزب استراتيجية ومرتبطة بنفوذ إيران في المنطقة، هذا النفوذ الذي تشكّل الفتنة السنية - الشيعية تهديداً له، ولكن عوضَ أن تساهم طهران في إزالة العوامل المسبّبة للفتنة، وفي طليعتها مشروع الهيمنة الذي تقوده، ودعمها للنظام السوري الذي يشكّل استمراره مصدراً أساسياً للتطرّف، تذهب باتجاه التحالف غير المباشر مع التحالف الدولي لضَرب «الدولة الإسلامية» التي أفقدَتها الأحادية في العراق وتخشى أن تُفقدها الأحادية في سوريا. فمصلحة إيران تكمن في التحالف الدولي الذي قدّم خدمة استراتيجية لها مع إسقاط صدام وطالبان، وتأمل أن يكون حدود تدخّل هذا التحالف إزالة «الدولة الإسلامية» فقط لتحافظ على عناصر قوّتها، وهذا ما يفسّر عدم اعتراض طهران على استثنائها من هذا التحالف، وهي تتعامل ببراغماتية عالية لجهة إفساحها المجال أمامه للتخلّص من «داعش» ومن ثمّ لكلّ حادث حديث، خصوصاً أنها تتكئ على تخاذل المجتمع الدولي وتردده من الارتداد عليها. ولكن من دون شك أنّ محور الممانعة يعيش حالة ارتباك، لأنه في موقع ردّ الفعل، ولا يعلم بعد حدود الضربة الدولية ومداها، خصوصاً أنه لَمَسَ لَمس اليد طريقة تعامله مع «الدولة الإسلامية» في العراق لناحية عدم استعجاله ضربها عسكرياً قبل اكتمال التوافق السياسي العراقي. وبالتالي، في حال انسحاب هذا الواقع على سوريا يعني أنّ مكوّناً أساسياً في محور الممانعة سيكون خارج الحلبة السياسية. وفي الوقت الذي يشهد هذا المحور قلقاً وارتباكاً، تبدو السعودية في المقابل ومعها محور عرب الاعتدال في حالة ارتياح إلى منحى التطورات الدولية على مستويين: تأكيد المجتمع الدولي على الشراكة مع سنّة الاعتدال، والتأكيد على إسقاط النظام السوري. وإذا كانت الأشهر المقبلة كفيلة بتوضيح الرؤية، فإنّ كل المؤشرات المتصلة بنشوء هذا التحالف تؤكد أنّ الأدوار الأحادية انتهت، وأن المنطقة مُقبلة على شراكات بين الرياض وطهران، ولكن من دون الرئيس السوري بشار الأسد.