أسقطت 11 أيلول 2001 الحواجز الإقليمية أمام الدور الإيراني، وبمعزل عمّا إذا كان إسقاط هذه الحواجز عفوياً أو متعمداً أو انتقامياً من الدول العربية وتحديداً الخليجية وخصوصاً السعودية، فإنّ النتيجة تبقى واحدة، وهي أن الدور الإيراني اختلف جذرياً بين ما قبل هذه المحطة الإرهابية وما بعدها.

انطلاق الدور الإيراني الإقليمي إذاً كان في 11 أيلول 2001، ولكن الترجمة العملية استلزمت وقتاً إلى حين إسقاط نظام طالبان، ومن ثم صدام، واحتواء إسقاط النظام السوري، والرد على إخراجه من لبنان بإطلاق انتفاضة مضادة في تموز 2006، وحرب حماس في غزة 2008 - 2009 حتى وصل إلى أوج قوته مع الهيمنة الكاملة على العراق وسوريا ولبنان وغزة. فتوسّع الدور الإيراني حصل بغطاء دولي بالحد الأقصى أو بغضّ نظر بالحد الأدنى، وإذا كانت محاصرة هذا الدور بدأت مع الثورات العربية وآخرها في سوريا، فإنّ الحصار الدولي بدأ رسمياً أمس في مناسبة الذكرى 13 على أحداث 11 أيلول مع إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما الحرب رسمياً على «داعش». وعلى غرار كل المحطات التاريخية التي يكون لها تأريخها الرسمي، إلا أن التمهيد لهذه المحطات يكون سابقاً ومتمّماً لها. وبالتالي، ما بدأ مع الثورات العربية سيستكمل مع الإطباق الدولي على الدور الإيراني في المنطقة، وهذا لا يشمل مستقبل النظام الإيراني اليوم في إيران، إنما يتصل حصراً بامتدادات هذه الدولة على المستوى الإقليمي. وقد بات واضحاً أنّ الدور الإيراني انتقل من مرحلة الهيمنة والاستئثار في العراق وسوريا ولبنان وغزة، إلى مرحلة الشراكة في القرار باستثناء النظام السوري الذي لن يكون له أيّ دور في مستقبل سوريا. وبالتالي، إذا كان من دور لطهران فهو أن تكون شريكة في صناعة السلام في بغداد ودمشق وبيروت وفلسطين، وخلاف ذلك سيجعلها خارج المعادلة الشرق أوسطية نهائياً. ويبدو أنّ طهران التي تعرف كيف تميل مع العاصفة لن تجازف بخسارة مواقع نفوذها من خلال اتّباع سياسة «أنا أو لا أحد»، لأنها لن تستطيع مواجهة الواقع المستجد في المنطقة، ولذلك يرجّح أن تذهب باتجاه تقاسم النفوذ مع السعودية برعاية دولية، وهذا التقاسم بحدّ ذاته يمكن أن يطرح مجموعة إشكاليات في المستقبل وتحديداً في لبنان ربطاً بسلاح «حزب الله» والذي سيكون له فصل آخر من البحث. فليس تفصيلاً أن يتصل الرئيس الأميركي بالملك السعودي قبل ساعات على توجيه رسالته إلى الشعب الإميركي وإعلانه خطة المواجهة ضد «الدولة الإسلامية»، وليس تفصيلاً أيضاً أن تتحول أدبيات أوباما إلى التركيز على المكوّن السني في المنطقة من منطلق أنه وحده القادر على التصدي للتطرّف. فهذا الفهم الأميركي لواقع الأمور في المنطقة، فضلاً عن التنسيق والشراكة القائمين مع الرياض يؤشران بوضوح إلى أنّ المنطقة دخلت مرحلة جديدة، وأنّ على إيران أن تتعامل مع هذا الواقع المستجد، بأنّ حليف الغرب في مواجهة الإرهاب هو سنّة الاعتدال في المنطقة وفي طليعتهم المملكة العربية السعودية، لا إيران ولا النظام السوري ولا «حزب الله»، الأمر الذي يعني أنّ هذا الشريك السنّي الذي عن طريقه سيُصار إلى التخلّص من الإرهاب سيكون شريكاً في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، ولن تقام أيّ تسوية على حسابه، ولن يسمح من الآن وصاعداً بأيّ تمدد لأدوار مذهبية تعيد الاعتبار لقوى التطرّف. ومن ثم عندما يتخلّص المجتمع الدولي من «الدولة الإسلامية» ما المبرّر لاستمرار النظام السوري الذي يسوّق أساساً نفسه لدى الغرب بأنه يتكفّل بهذه المواجهة؟ إذ إنّ التخلّص من الإرهاب يُنهي الوظيفة التي كان حدّدها النظام السوري لنفسه، وبالتالي ما حاجة هذا المجتمع لنظام متهم بارتكاب مجازر ضد الانسانية واستخدام السلاح الكيماوي وقتل ما يزيد عن نصف مليون سوري. فالمنطقة اليوم أمام تحوّل جديد، والمصادفة التاريخية وحدها شاءت أن يكون العراق الذي عَبر منه النفوذ الإيراني هو مركز هذا التحوّل مجدداً، ولكن هذه المرة بالاتجاه المعاكس، وهذا الاتجاه لا يعني إطلاقاً استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، إنما بناء شراكات تعيد الاستقرار إلى هذه الدول واستطراداً للمنطقة العربية برمّتها، وتمنع استخدام هذه الدول كساحات حرب وصناديق بريد للرسائل الباردة والساخنة معاً. فمحطة 11 أيلول 2014 تشكّل انطلاقة العد العكسي لمرحلة جديدة، وهذه المرحلة لن تكون طويلة، ولا مؤشرات إلى إمكان عرقلتها بانتفاضة مضادة أو حرب مع إسرائيل أو حرب من طبيعة أخرى، وذلك لمجموعة أسباب أهمّها أنّ محور الممانعة مطوّق ومأزوم وفَقد معظم أوراقه، فضلاً عن إيران التي تجيد اللعب على حافة الهاوية جيداً لن تلجأ إلى سياسة الأرض المحروقة ولا الانتحار، الأمر الذي يعني انخراطها وتطبّعها، ولَو على مضض، مع التوازنات الجديدة. وعليه، قد تكون المنطقة فعلياً هذه المرة أمام فرصة حقيقية لإنجاز استقرارها وسلامها، فالرياح التي ستنطلق قريباً من العراق ستنتقل إلى سوريا التي أعطى المجتمع الدولي الضوء الأخضر لتسليح المعارضة المعتدلة فيها وتمويلها. وإذا كانت «داعش» استفادت من مجموعة عوامل مَكّنتها من التمدد سريعاً، ومن ضمنها حالة الزخم والعامل المعنوي، فإنّ العامل المعنوي المقابل المتمثّل بالتحالف الدولي سيُطيح «الدولة الإسلامية» والنظام السوري معاً، عاجلاً أم آجلاً، لأنّ الدينامية التي ستنطلق من العراق لن تتوقف في سوريا. ويبقى أنّ التصحير السياسي الذي عَبرته المنطقة بين أيلول 2001 وأيلول 2014 شارف على النهاية مع دخول هذا الصراع فصله الأخير، حيث أنّ المنطقة ستكون مقبلة قريباً على تحديات من طبيعة جديدة، ومن أبرزها تحويل المساكنة بين مواقع النفوذ الخارجية والداخلية إلى تعايش فعلي.