إرتدت ذكرى شهداء «المقاومة اللبنانية» هذا العام طابعاً مختلفاً عمّا سبقه من أعوام، ومردّ ذلك عائد بشكل أساسي إلى دخول «داعش» على خط الصراع وتهجير المسيحيين العراقيين وتخويف المسيحيين اللبنانيين.

وصول لبنان إلى حافّة الهاوية استدعى من جعجع نبرة خطابية ذكّرت بخطاباته في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته عندما كانت طبيعة المرحلة العسكرية ومن ثم الوصاية السورية تتطلّب هذا النوع من الخطابات الذي يتميّز بالنبرة العالية وشَد العصَب والكلام العنفواني والسقف الوطني المرتفع. وهذا النوع من الخطابات هو تحديداً ما مَيّز «القوات اللبنانية» داخل البيئة المسيحية لناحية جَمعها بين البعد الثوري والطرح العقلاني، وبين الثبات على المبادئ والليونة في التطبيق. وإذا كانت المرحلة التي تلَت خروج جعجع من السجن فرضت تعديلاً جزئياً في الشكل لا الجوهر، فإنّ التحديات المسيحية والوطنية التي ظهرت بقوة هذا العام استدعت العودة إلى الأسلوب القديم-الجديد وإعطاء إشارات تطمينية من موقع قوة، وذلك للأسباب الآتية: أولاً، رسالة تطمينية للمسيحيين بأنّ ما حصل في العراق وسوريا لا يمكن أن يحصل في لبنان، وفي حال حصوله وعَجز الدولة التام عن القيام بمسؤولياتها ستكون «القوات اللبنانية» بالمرصاد. والهدف من هذا الكلام التطميني قطع الطريق على أي مبادرات تسلّح فردية عن حسن او سوء نيّة، أو أي تفكير باستخدام المسيحيين وتسليحهم لأهداف تخدم مشاريع إقليمية معينة، والتأكيد للمسيحيين بأنهم غير متروكين لقَدرهم ومصيرهم، فضلاً عن أنّ أيّ تفكير بالتسلّح يساهم في تقويض ما تبقى من سيادة الدولة. وبالتالي، المقصود من هذه الرسالة وضع كل الثقة والإمكانات بالدولة اللبنانية وحدها. ثانياً، رسالة تطمينية للمسلمين بأنّ الصعود الداعشي وما شهدته المنطقة من تهجير للمسيحيين لن يدفع «القوات» بتاتاً إلى تعديل موقفها من الشراكة المسيحية-الإسلامية والعيش المشترك في لبنان والمنطقة، لأنّ ما حصل لا يمتّ إلى الإسلام بصِلة، وفق ما أكد دكتور جعجع. ومن هذا المنطلق جاءت هذه المحطة بتوقيتها المثالي في ظل محاولات مكوّنات محور الممانعة القديمة والمستجدة بضرب هذه الشراكة وتخويف المسيحيين من المسلمين ودعوتهم إلى الاحتماء بـ«حزب الله» على غرار الدعوات السابقة للاحتماء بالنظام السوري. فرئيس القوات اللبنانية أراد قطع الطريق سريعاً على هذه المحاولات الرامية الى فصل المسيحيين عن بيئتهم ومحيطهم وجَرّهِم إلى مشاريع أقلّوية لا تمتّ إلى تاريخهم وتجربتهم بصِلة، فضلاً عن أن هذا الفصل يُضعف الموقف اللبناني الوطني، بدليل أنّ وحدتهم أخرجت نظام الوصاية السورية من لبنان. ولا يمكن إغفال أنّ تركيز جعجع على الربيع العربي والقضية الفلسطينية يصبّ في سياق هذه الرسالة التطمينية ذاتها، بأنّ الأولوية اللبنانية لا تعني إطلاقاً الانعزال عن القضايا العربية التي يشكّل دعمها تعزيزاً للسيادة اللبنانية لا انتقاصاً منها. ثالثاً، رسالة تطمينية للبنانيين والحلفاء تحديداً بأنّ «القوات» ستبقى في خط الدفاع الأول عن القضية اللبنانية من خلال تمسّكها بالسيادة والحرية والاستقلال، والأهم بمشروع الدولة في لبنان، ولن تسمح لأيّ طرف بأن يَجرّ اللبنانيين إلى مشاريع الدويلات والاقتتال الطائفي والمذهبي. فما قدّمه جعجع هو خطاب قوّاتي في صُلب 14 آذار وصميمها وجوهرها. رابعاً، رسالة تطمينية للشعوب العربية بأنّ الانتكاسة التي أصابت الربيع العربي والتعرّجات التي عرقلت مسيرة هذا الربيع، لن تجعل المؤمنين بأهمية هذه الثورات، الرامية إلى تحديث الدول العربية وتطويرها، يترددون في مواصلة دعمهم ووضع ثقتهم بالشعوب العربية التوّاقة إلى التغيير. وبدا حاسماً رئيس «القوات» بتأكيد انحيازه إلى الحراك لا الجمود داخل الشارع العربي، مذكّراً، تأسيساً على تجارب تاريخية، بأنّ الوصول للأهداف المرسومة يتطلب وقتاً ونضالاً وجهداً وتراكماً. وليس تفصيلاً ان يكون جعجع، وربما الوحيد، الذي ما زال يتحدث بهذه الثقة عن الربيع العربي، خصوصاً أن ربيع لبنان يرتبط ارتباطاً عضوياً بالربيع في محيطه. خامساً، رسالة تطمينية للفلسطينيين بأنّ المسيحيين اللبنانيين يقفون إلى جانبهم، وأنّ قضيتهم كانت وما زالت وستبقى العنوان الأول للنضال تحقيقاً للدولة الفلسطينية بعيداً عن محاولات محور الممانعة استغلال نضالات الشعب الفلسطيني لمآربه وأهدافه ومصالحه. وقد أرفقَ جعجع دعمه للقضية الفلسطينية بتحية من القلب إلى الشعب الفلسطيني الذي يعتبر من أكثر الشعوب تمسّكا بأرضه ودولته، فضلاً عن انه على رغم انّ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي هو من أطول الصراعات في المنطقة، إنما نجحت قيادته مع أبو عمار أولاً وأبو مازن ثانياً بعدم السماح بطغيان العامل الديني على المدني للمواجهة. سادساً، رسالة تطمينية للشهداء وعائلاتهم ورفاقهم بأنّ تضحياتهم ودمائهم لن تذهب سدى، وأنّ شهداء المقاومة اللبنانية لا يُقتلون مرتين، مرة باستشهادهم، وأخرى بالتراجع عن المبادئ التي استشهدوا من أجلها. وكان لافتاً هذا المزج والدمج بين شهداء المقاومة اللبنانية وشهداء 14 آذار وشهداء الجيش اللبناني وشهداء الحرية في لبنان. وفي موازاة الرسائل التطمينية أو في سياقها، لم يفوّت جعجع التركيز على استحقاق رئاسة الجمهورية وتحميل التيّار العوني مسؤولية الفراغ في الرئاسة الأولى، كما ضرورة توسيع القرار 1701 وضبط الحدود بالاتجاهين، والأهمّ عدم تمييزه بين إرهاب وإرهاب، ولا بل وَصفه الإرهاب الذي ينجح بتمويه جرائمه وتغطيتها بأنه أخطر من الإرهاب الداعشي، وإذا كان تشخيصه للإرهاب الأخير لا يحمل أيّ التباس وتأويل، فلقد كان واضحاً بقوله إنّ القضاء على الظاهرة الداعشية غير ممكن قبل القضاء على مُسبّباتها. ويبقى أنّ المسيحيين واللبنانيين بحاجة إلى مَن يطمئنهم ويتكلم بلسانهم ويبدّد هواجسهم ويسمّي الأشياء بأسمائها، كما فعل رئيس «القوات» الذي أظهر مجدداً بأنّ المسيحيين أبعد ما يكونون عن صفة الانعزال، وانّ الانعزاليين الفعليين هم الذين يحملون السلاح خارج الدولة ويقاتلون خارج الأرض اللبنانية ويقطعون علاقات لبنان بمحيطه، كما أنّ المسيحيين هم آخر مَن يخرج عن الدولة، وإنّ تمسّكهم بالعيش المشترك ثابت ونهائي...