على أثر انهيار الجيش العراقي ودخول «داعش» إلى الموصل وتهجير المسيحيين، صدرت دعوات كنسية وسياسية تدعو المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته في توفير الحماية للأقليات. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الدعوات في محلها؟ وهل سيبادر هذا المجتمع إلى حماية الأقليات في الوقت الذي تخاذل فيه عن حماية الأكثرية التي تتعرض للإبادة في سوريا؟ ومَن يحمي الإنسان في هذا العالم؟

يتحمّل المجتمع الدولي مسؤولية الانهيارات التي أصابت منطقة الشرق الأوسط منذ اندلاع الثورة السورية، والتي أدّت إلى صعود التطرف بشكل غير مسبوق تاريخياً، وذلك نتيجة سياسات التردد والتخاذل والانكفاء التي اتبعها، وكأنّ انسحاب القوى العظمى إلى داخل حدودها للاهتمام بمشاكلها سيجعلها بمنأى عن ارتدادات هذا التطرف. فسياسات الانكفاء التي كانت تعتمد في أزمنة غابرة من قبل الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لم تعد تصلح في زمن العولمة الذي تتأثر فيه كل شعوب العالم، حيث أصبح أي حدث أو تطور في أي بقعة على هذه الأرض ينعكس على العالم بأسره. وبالتالي، سياسة الهروب من التحديات العالمية تشكل جريمة بحق الإنسانية، وتداعياتها لن توفّر أي دولة أو شعب أو حضارة. وكان الملك السعودي أوّل من حذّر المجتمع الدولي من سياساته التي سترتد عليه عاجلاً أم آجلاً في حال لم يسارع إلى تأدية دوره، فضلاً عن أنّ كلفة المواجهة في بداياتها كانت أقل بكثير ممّا هي عليه اليوم بعد تفشّي ظاهرة التطرف نتيجة العنف السوري غير المسبوق وتداخل العوامل الدينية - المذهبية بالسياسية. ومن هنا لم تعد القضية تتعلق بالأقليات وحمايتهم، بل أكبر من ذلك بكثير وتتصِل بحماية البشرية من هذه الحرب الإرهابية التي لن تقف عند حدود جغرافية، حيث ستمتد كالنار في الهشيم. وبالتالي، مقاربة الخطر من نظرة فئوية تتصل بحماية المسيحيين هي نظرة قاصرة ومحدودة للأسباب الآتية: أولاً، المعالجة تكون لأصل المشكلة وليس لإفرازاتها، حيث أن أيّ حماية ممكنة لهم اليوم ستتحول مستحيلة غداً، لأنّ الإرهاب لن يقف عند حدود سياسية وطائفية وجغرافية، ولن تتمكن أي دولة من الصمود أمامه. ثانياً، منطق الحمايات الذي كان سائداً إبّان الامبراطورية العثمانية وَلّى إلى غير رجعة ليس بسبب تبدّل الاهتمامات الدولية فقط، إنما لأنّ طبيعة الأخطار اختلفت، فما كان ممكناً في مواجهة دول أصبح متعذراً في مواجهة الإرهاب. ثالثاً، الخطر الإرهابي يستهدف المسلمين بشكل أساسي وتحديداً السنة، وبالتالي يجب تصحيح الصورة ووضع الأمور في نصابها، لأنّ خلاف ذلك يظهر وكأنّ هناك استهدافاً إسلامياً للمسيحيين، فيما الاستهداف يطال كل الناس وفي طليعتهم المسلمين، وإذا كان انعكاس هذا الخطر أكبر على المسيحيين، فلأنّ ديموغرافيتهم قليلة ومحدودة. رابعاً، طلب الحماية الخارجية لا يساعد المسيحيين، بل يزيد في توريطهم وتقهقرهم، كونه سيُظهرهم أمام الاعتدال الإسلامي بأنهم انعزاليون وأنانيون، لأنّ صَوتهم لم يرتفع إلّا عندما ذبح الثور الأبيض، أو على طريقة السيّد المسيح في مثل «ابن الإنسان هو الديان» عندما يقول الملك: «ابتعدوا عني أيّها المَلعونون، واذهَبوا إلى النّار الأبدية المُعدّة لإبليس ومَلائكته، لأنّي كنتُ جائعاً فلم تُطعموني. وعطشاناً فلم تسقوني. وغريباً فلم تأووني. وعُرياناً فلم تُلبسوني. ومريضاً ومَسجوناً فَلم تزوروني. فيُجيبه الأشرار: يا رَبّ، مَتَى رَأيناكَ جائعاً أو عطشاناً أو غريباً أو عرياناً أو مريضاً أو مسجوناً، ولم نُقدّم لك ما تَحتاج؟ فيقول الملك: أقول الحَقّ لكم، عندما أهمَلتم عملَ ذلك لأحد إخوَتي الضّعفاء، فإنّكم إنّما أهمَلتُم عَمله لي أنا». خامساً، دعوة المسيحيين إلى الحماية الخارجية لا تستقيم إلّا في حال اقترنت بالدعوة إلى حماية أخوتهم المسلمين وكل إنسان مستضعف ومقهور ومعذب ومضطهد ومظلوم. سادساً، الدعوة إلى حماية الأقليات لا تستقيم إلّا في حال اقترنت بالدعوة إلى حماية الأكثرية التي تذبح في سوريا منذ أكثر من ثلاث سنوات. سابعاً، الضمير العالمي الذي لم يتحرك لنجدة الشعب السوري على رغم مصالحه مع السعودية والدول العربية وأكثر من مليار مسلم، لن يتحرك لنجدة أقليّات على طريق الانقراض. ثامناً، المواجهة الفعلية مع التطرف الإسلامي تقوم على أكتاف الاعتدال الإسلامي المتضرر الأكبر من هذا التطرف. وبالتالي، من يقود عملياً هذه المواجهة اليوم هو المملكة العربية السعودية التي استنفرت وتجنّدت لهذه المواجهة، إن من خلال المواقف المحذرة والمتكررة التي يُطلقها العاهل السعودي، أو عبر توحيد الجهود داخل البيت الخليجي بعد مبادرة الرياض لترتيب أحوال هذا البيت مع الدوحة. تاسعاً، دور المسيحيين يكمن في الالتصاق بالاعتدال الإسلامي، وخوض المعركة بالتكافل والتضامن إلى جانب هذا الاعتدال، وليس بالتمايز عنه عبر مناشدات لا يكون لها أيّ وقع أو ترجمات سوى الإساءة إلى صورة المسيحيين الذين عليهم الظهور بمظهر المدافع عن الإنسان انسجاماً مع مثل «ابن الإنسان هو الديّان». عاشراً، المواجهة مع الإرهاب لا تستقيم إلّا عن طريق تعزيز دور الاعتدال الإسلامي، وإسقاط النظام السوري، وقيام الدولة الفلسطينية، ولجم النفوذ الإيراني، كما لا تستقيم إلّا بمواجهة كل أنواع الإرهاب، فلا يوجد إرهاب بربري وآخر»كلاس». ويخطئ كلّ من يعتقد بأنه قادر أن ينقذ نفسه مقابل هلاك الآخرين، لأنّ الحلّ إمّا يكون شاملاً أو لا يكون، وقد نجح لقاء «سيدة الجبل» في تقديم أطروحة متكاملة لخيارات المسيحيين، حيث تشكّل التوصيات الختامية الخمس خريطة طريق لخروج المسيحيين والمسلمين من مستنقع الحرب والعنف نحو السلام، وإعادة بناء الأوطان العربية على قاعدة التعددية والمدنية، كما تشكّل رؤية متكاملة تعيد الاعتبار للتجربة اللبنانية وضرورة تعميمها كنموذج خلاصيّ في المنطقة، وتعيد الاعتبار أيضاً لدور المسيحيين لبنانياً وعربياً.