فتح السيّد موسى الصدر صُعُداً جديداً في الموقف الشيعي من الدولة وحسم سريعاً مسائل كانت ملتبسة ومُحرّمة بدءًا من الكيان اللبناني مروراً بالرئيس المسيحي وانتهاءً بعمق لبنان العربي وبعده الغربي ...آنذاك لم تحسم مسائل من هذا النوع بقيّ الفقه الشيعي على ما هو عليه من حرمات مقفلة على حلال الدولة والشراكة والتواصل مع الآخرين وبصعوبة سعى السيّد الصدر الى خلق مناخ شيعي مختلف عن السائد وواجه العقل الفقهي المسيطر على منطق التعاطي مع مواضيع ومسائل حسّاسة جداً  واستطاع الدخول الى فضاء التغيير في بنية التفكير الشيعي بعد مرحلة من الصراع الكؤود مع الشبكات الدينية التي انتصر عليها بعد أن حاربته وبوسائل متعددة لنئيه وثنيه عن أفكاره المهدّمة لثوابت الأفكار المتعلقة بالعلاقة مع دولة غير شرعية . لقد اعترف السيّد موسى الصدر بكل ما هو ممنوع  ومحرّم شيعياً فيما يتصل بالسياسة وأسهم في ذلك في ولادة الشيعية السياسية على يدّ القابلة القانونية التابعة للدولة وأسّس مؤسسات مستمدّة شرعيتها من شرعية الدولة . من هنا نجح في صيانة مواقفه وأدواره  ووفر لها سُبل النجاة والحريّة في لحظة تاريخية مناسبة أدركها السيّد ونال منها حظاً وافراً أتاح للشيعة ادراك بعض المكاسب في المحاصصة الطائفية القائمة لجهة التمثيل المتشابه بين الطوائف من الناحية المذهبية الدينية ويبرز المجلس الشيعي كاطار مستجدّ على الهيكليّات المذهبية الأخرى . نافح السيّد كل الواقفين في درب الدولة والعاملين على تخريبها وأكّد على الدور الشيعي كقوّة رديفة للدولة لا كقوّة معطلة لقيامها من خلال تأسيس دويلات طائفية على حساب طائفة الدولة .

لقد بنى السيّد شراكة حقيقية مع الدولة التي قاتل أعداءها طيلة حياته لهذا استعاد الدور المفقود للطائفة وبلغ بها مبلغاً مهمّاً جعل منها حزباً مستقيماً على طريق الانتصار لها وفي كل الظروف والمحن والصعوبات التي واجهت الدولة .

اذاً ثمّة جبهات كثيرة فتحها الامام الصدر وجابه فيها أعداء الاصلاح والتغيير ممن يمسكون بزمام الأمور سواء أكانوا سياسيين أو دينيين  ومن دعاة ابقاء الواقع على ما هو عليه من حرمان مدمر للانسان في أرضه.

لم تكن مهمّة السيّد سهلة في مواجهة الواقع الشيعي أولاً والواقع اللبناني ثانياً لذا تكبّد عناء المواجهة المكلفة مع أخصام يملكون كل أدوات  التهديم لكن ايمانه بأفكاره وفرّت له حظوظ الانتصار على أخصامه وبالتأكيد كان سلاحه الموقف ليس أكثر فهو لم يستخدم أيّ وسيلة من وسائل القتل لمواجهة أخصامه فهذا طريق لا يسلكه الاّ الجبناء وضعاف النفوس كما يفعل الكثيرون من حرّاس السائد من أحزاب المذاهب .