أهمّ ما جاء في المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية السوري وليد المعلم دعوته المجتمعَ الدولي إلى استهداف مواقع «الدولة الإسلامية» عن طريق الحكومة السورية، معتبراً في نظرية ديبلوماسية جديدة أنّ «استهداف هذه المواقع خارجَ التنسيق مع الحكومة يُعدّ عدواناً، فيما إتمامه عن طريق التنسيق يُعتبر حلالاً».

توقيتُ المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية السوري جاءَ عن سابقِ تصوّرٍ وتصميم مباشرةً بعد سقوط مطار الطبقة العسكري في الرقة بِيد «الدولة الإسلامية» بعد معاركَ ضارية مع النظام في رسالةٍ أراد من خلالها القول إنه يواجه «داعش»، على رغم أنّ المواجهات بينهما نادرة، وإنّ التهديد «الداعشي» يطال الجميع، واضعاً المجتمع الدولي أمام المعادلة الآتية: المعارضة السورية انتهت، «الدولة الإسلامية» تشكل خطراً وجودياً على كلّ العالم، ولا خيارَ سوى التعاون مع النظام من أجل مواجهة «داعش». يتحدّث المعلم بكلّ ثقةٍ عن استعداد بلاده المشروط لمواجهةِ الإرهاب، متجاهلاً أنّ المجتمع الدولي نفسه الذي يعرض عليه التعاونَ كان صنّف نظامَه بالإرهابي عشرات المرات، وأكد أن لا مكانَ لهذا النظام في عالم اليوم وفي سوريا الجديدة، ولا بل المواقف الأخيرة لهذا المجتمع شدّدت على أنّ ضربَ «الدولة الإسلامية» لا يعني إطلاقاً التعاون مع النظام السوري وتبييض صفحته، وأنّ الموقف الدولي من النظام ثابتٌ وغيرُ قابل للتبدّل، وأنّ المتحوّل الوحيد هو تمديدُ عمر النظام نتيجة غياب البدائل فقط لا غير. والملفتُ في المؤتمر الصحافي للمعلم أنّ النظام السوري لم يتّعظ من تجربة السنوات الأخيرة منذ قيام الثورة إلى اليوم، معتقداً أنّ ورقة «الدولة الإسلامية» هي ورقةٌ رابحة يستعيد عبرها دوره ونفوذه على كل الجغرافيا السورية إلى درجة أنه استعاد كلّ أدبياته من تصنيفه كلّ مَن يقف ضدّ النظام بأنه إرهابي إلى اتهامه دول الجوار لسوريا بتصدير الإرهاب إليها، وذلك بدلاً من أن يستغلّ الأولوية الدولية لمواجهة الإرهاب بغيةََ عرض تسوية متوازنة للأزمة السورية تجسّد انفتاحه على الحوار مع المعارضة من أجل مواجهة مزدوجة مع «الدولة الإسلامية»: تحصين الوضع الداخلي، وطلب مساعدة المجتمع الدولي. ولكن «فالج ما تعالج»، حيث يعتقد النظام بأنّ في إمكانه العودة إلى ما قبل 15 آذار 2011 وحكم سوريا انطلاقاً من القواعد الديكتاتورية والتسلّطية والفئوية السابقة وكأنّ شيئاً لم يكن، ما يعني أنّ كلّ مَن يراهن على التسوية في سوريا واهمٌ، فإما انتصار النظام أو هزيمته، وبما أنّ انتصار النظام بعد كلّ التبدلات السورية الداخلية والتموضعات الخارجية مستحيل، يبقى الخيار الأوحد هو هزيمته. وإن دلّ المؤتمر الصحافي الى شيء فإلى عدم حنكةٍ سياسية، لأنّ النظام كان باستطاعته إرباك المجتمع الدولي في لحظةِ ضعف المعارضة السورية والتهديد الذي تشكله «داعش» من خلال تقديم مبادرة متكاملة للحوار مع المعارضة وصولاً إلى تسوية داخلية، وبالتالي بمعزل عن مؤدّيات هذه المبادرة، إلّا أنها لا شك كانت وضعت الكرة في ملعب أخصامه، لأنّ أيّ قراءة موضوعية للأحداث والتطوّرات تفيد أنّ الحدّ الأقصى لأيّ تسوية في سوريا يمكن أن تعيد النظام شريكاً بالمعادلة الداخلية، لأنّ السقف الدولي-العربي-السوري هو إسقاطه، ويستحيل تعويمه تحت عنوان الإرهاب أو غيره. وما جرى في العراق كان يُفترض أن يقدّم مؤشراً لهذا النظام بأنّ بوادر الحلحلة بدأت بعد التخلّي عن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي والإقرار بتصحيح الخلل على مستوى المشاركة في السلطة والحقّ لكلّ المكوّنات في تقرير مصير العراق، وبالتالي أتت التسوية عن طريق تراجع طهران عن سياسات الهيمنة السابقة مقابلَ تسليمِ الرياض بهوية رئيس الوزراء السياسية المنتمية لإيران، خصوصاً أنّ مواجهة الخطر الداعشي لا تستقيم إلّا من خلال تصدّر المكوّن السنّي لهذه المواجهة، على غرار التسوية التي سبقتها في لبنان وتراجع «حزب الله» لمصلحة 14 آذار و»المستقبل» الذي تصدّر المواجهة مع الإرهاب. فاللقاء بين مساعد وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان ووزير الخارجية السعودي سعود الفيصل ما كان يمكن أن يتمّ لولا التراجع والانكفاء الإيرانيين في العراق. وإذا كانت المرحلة الحالية حقيقة مرحلة تسويات على طريقة لبنان والعراق، فإنّ الوضع في سوريا لن يشكل استثناءاً على هذه القاعدة، إنما موضوعياً يُفترض أن يسلك الطريق نفسها لسببين: السبب الأول، لأنّ مواجهة الإرهاب في سوريا تتطلب أن تتصدّر المعارضة السورية هذه المهمة لا النظام الذي استجلب هذا الإرهاب، وخلاف ذلك يعني استمرار هذا الإرهاب بأشكالٍ أخرى وتحت مسمياتٍ مختلفة، وبالتالي تصدّر المعارضة للمواجهة يعني تحوّلها إلى شريك فعلي على مستوى القرار الوطني السوري. والسبب الثاني، لأنّ ميزان القوى الدولي والإقليمي لا يسمح لإيران بالتفرّد بالساحة السورية، ولا بل إذا كان من تفرّد يكون للمعارضة السورية المدعومة من قبل السعودية التي تتقدّم في كلّ الساحات العربية على حساب التغلغل الإيراني، وهذا التقدّم يندرج تحت عنوان الدفاع عن استقلال الدول العربية ومنع استخدامها كساحاتِ مواجهة مِن قبل طهران. وتأسيساً على ما تقدّم، إنّ أقصى ما يحلم به النظام السوري هو تسوية تبقيه في السلطة على قواعد جديدة، لأنّ مرتكزات التسوية السابقة في «جنيف 1» و»جنيف 2» كانت تستبعد هذا النظام نهائياً من المستقبل السوري، ولكنّ سلوكه القائم على مبدأ «أنا أو لا أحد»، إضافة إلى كلّ المعطيات الداخلية والخارجية، تؤكد أن لا مستقبلَ للنظام في مستقبل سوريا، وأنّ مصيره الرحيل عاجلاً أم آجلاً. ويبقى أنّ أكثر ما يستوقف المرء في مؤتمر المعلم كلامه عن الإرهاب، وكأنّ ممارسات نظامه منذ أربعة عقود وقتله الشعب السوري بالبراميل واستخدامه السلاح الكيماوي ينمّ عن عملٍ أو واجبٍ وطني، ولكنّ المشكلة ليست بالنظام السوري الذي تشكل هذه الأساليب علة وجوده، إنما المشكلة كانت وما زالت في تقاعس المجتمع الدولي الذي لو أسقط النظام لكان وفّر على سوريا والعالم ولادةَ «داعش»، ولكانت سوريا استعادت اليومَ دورَها وحضورَها.