الهجمة الدولية على «الدولة الإسلامية» التي تكاد تصِل إلى حد تكوين تحالف دولي لمواجهة الإرهاب شبيه بالتحالف الذي نشأ ضد الرئيس صدام حسين دفع إلى طرح السؤال الأساسي الآتي: هل يُعاد تعويم النظام السوري، خصوصاً أنه ترافق مع حملة إعلامية مبرمجة من قبل محور الممانعة الذي وضع نفسه شريكاً للغرب في مواجهة الإرهاب؟

يحاول محور الممانعة، والنظام السوري تحديداً، إعطاء انطباع مفاده أنّ استمراره أصبح يشكّل حاجة للغرب من أجل التصدي للإرهاب الذي فاق كلّ تصوّر مع «الدولة الإسلامية»، كما يحاول تعميم معلومات من قبيل أنّ تعاوناً أمنياً قد بدأ فعلياً مع الدول الغربية، وأنّ المملكة العربية السعودية أعادت النظر بحتمية سقوطه لمصلحة التعاون معه تحت عنوان التصدي للإرهاب نفسه.

وفي سياق الأجواء المغلوطة عينها يتمّ الحديث عن أنّ ضرب «داعش» من قبل المجتمع الدولي والقضاء عليها يعني سيطرة النظام السوري تلقائياً ومجدداً على سوريا كلها، لأنّ المعارضات الأخرى لم تعد موجودة، ما يعني أنّ العد العكسي لانتهاء الأزمة السورية قد بدأ.

وفي الإطار نفسه تمّ التأكيد أنّ ما ينطبق على نوري المالكي لا ينسحب على بشار الأسد، وأنّ البدائل عن المالكي أكثر من أن تعدّ وتحصى، والتمسّك سابقاً به كان الغرض منه تضخيمه لحصر التنازلات بتنَحّيه، فضلاً عن تحميله إيرانياً مسؤولية انهيار الوضع بهذا الشكل، فيما الوضع السوري يختلف تماماً عن الوضع العراقي، كما أنّ المواجهة في سوريا عنوانها تنحّي الأسد أو استمراره، ولذلك فإنّ تنحّيه خارج إطار البحث.

ويروّج النظام السوري أيضاً لنظرية انّ عدو عدوي صديقي، بمعنى أنّ التقاطع والتعاون والتنسيق بينه وبين الولايات المتحدة الأميركية تحوّل إلى أمر بديهي بعدما تحوّلت «الدولة الإسلامية» إلى عدو مشترك لهما.

ولكلّ ما تقدّم وغيره، يخلص أصحاب هذه النظريات إلى القول إنّ النظام السوري تجاوز قطوع سقوطه، وانّ المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تعويمه من واشنطن إلى الرياض.

ولا بدّ حيال ما تقدّم من تسجيل الملاحظات الآتية:

أولاً، الولايات المتحدة الأميركية أعلنت مراراً أنّ عدو عدوي في الأزمة السورية هو عدوي وليس صديقي، وأنّ المواجهة مع «الدولة الإسلامية» لا تعني إطلاقاً إعادة فتح باب الحوار والتفاوض مع النظام المتهم بجرائم ضد الإنسانية والذي لا مكان له في سوريا الجديدة، وأنّ المواجهة مستمرة على جبهتين مع النظام ومع «داعش».

ثانياً، المملكة العربية السعودية التي وضعت ثقلها ورصيدها لإسقاط حكم الإخوان في مصر لن تسامح الرئيس السوري ولن تتراجع عن معركة إسقاطه التي تتعدد أسبابها من الشخصي إلى السياسي وما بينهما النفوذ الإيراني، حيث أنّ التوازن في المشهد السوري كفيل لوحده بتعطيل التأثير السوري على لبنان، خصوصاً أنه يأتي بعد الترتيب العراقي، ما يعني رفض المكوّن السنّي مواصلة طهران استخدام الدول العربية.

ويخطئ كلّ مَن يعتقد أو يراهن على تبدّل الموقف السعودي من النظام السوري، ولا بل يجب على قوى الممانعة إعادة تقويم الموقف السعودي الذي نجح في تسديد الضربة تلو الأخرى وصولاً إلى انكفاء طهران وتقدّم السعودية.

ثالثاً، معركة إزاحة الرئيس السوري غير قابلة للمساومة والمقايضة والتساهل لا على المستوى السوري ولا على المستوى العربي والدولي. فالأسد غير قادر على حكم سوريا مجدداً، ومواجهة «داعش» يمكنها في أحسن الأحوال أن تمدّد بعمر النظام فقط لا غير، وذلك بانتظار إيجاد البديل.

رابعاً، المواقف الأميركية لغاية اليوم تشدّد على استهداف «الدولة الإسلامية» في حال استهدافها مصالح الولايات المتحدة، والضربات الأميركية لهذه الدولة في العراق كان الهدف منها ترسيم حدود تمَدّدها وانتشارها أكثر من اقتلاعها والقضاء عليها، والدليل أنّ هذه الضربات بقيَت محدودة، فضلاً عن أنّ التجربة أثبتت أنّ الرئيس الأميركي ليس من صنف الرؤساء الذين يخوضون الحروب، وبالتالي لا شيء في الأفق يوحي بوجود توجّه لاستئصال «الدولة الإسلامية».

وفي موازاة ذلك دَلّت التجربة العراقية أنّ واشنطن في غير وارد تقديم هدايا مجانية لطهران، حيث أن لا استهداف فعلياً وجدياً لـ«داعش» قبل معالجة الأسباب التي ولّدت البيئة الحاضنة لهذا التنظيم، ودفعت إيران إلى التراجع والتنازل والإقرار بأخطاء التهميش والظلم والاضطهاد. وما ينطبق على العراق سينسحب على سوريا، حيث أنّ ثمن إطاحة «داعش» لن يكون أقلّ من إطاحة النظام، لأنّ ما دون ذلك يعني ولادة «دواعش» و«دواعش».

خامساً، لَو تمّ إسقاط «الدولة الإسلامية» على يد الغرب، فإنّه سيتمّ لمصلحة المعارضة السورية وليس النظام، خصوصاً أنّ هذه الدولة تخصّصت بقتال المعارضة لا النظام. وبالتالي، المستفيد الأول من سقوطها، في حال تمّ، هو المعارضة.

سادساً، ليس صحيحاً أنّ المشهد السوري بات موزّعاً بين النظام و»داعش»، لأنّ للمعارضة السورية بتشكيلاتها المختلفة حضورها ودورها وفعاليتها، كما أنّ أيّ توجّه للقضاء على «الدولة الإسلامية» سيترافق مع مزيد من تعزيز الدعم للمعارضة السورية، خصوصاً أنّ المجتمع الدولي اتّعظَ من تجربته بأنّ إطالة أمد الصراع السوري أدى إلى إضعاف المعارضة وتطرّف قسم واسع منها.

سابعاً، الشعب السوري لن يقبل بالعودة إلى الوراء وسيواصل معركته حتى استعادة قراره. وبالتالي، إذا كانت إيران تتمسّك بالرئيس السوري، فإنّ المجتمعين الدولي والعربي، كما الشعب السوري، لن يسمحوا باستمراره في السلطة، ولن يسمحوا بأيّ تسوية تُبقيه في موقعه.

وبعد الانتخابات السورية الصوَرية جاء من يقول إنّ الأزمة السورية شارفت على الانتهاء لمصلحة النظام، فظهرت «داعش» وقلبت الأمور رأساً على عقب.

وبعد «داعش» جاء من يقول إنّ الغرب والعرب والعجم قرروا وَضع أوراق اعتمادهم لدى النظام القادر وحده على التصدي للإرهاب، ولكنّ الأزمة السورية طويلة وأوان حلّها لم يَستو بعد، ولن يتمكن النظام في نهاية المطاف من الصمود طويلاً في مواجهة الغرب والعرب والشعب السوري، وكلّ ما عدا ذلك تهويل بتهويل.