ما يحصل في العراق قلبَ المشهد السياسي الإقليمي رأساً على عقِب، وهذا المعطى لم يكُن في الحسبان، إذ شكّل مفاجأةً سياسية من العيار الثقيل، حيث بدأت كلّ القوى تعيد حساباتها على أساس الوضع الجديد.

مِن الخطأ وضعُ الأحداث العراقية في خانة التحرّك الأصولي تحت مسمّى «داعش»، لأنّ ما يحصل هو انتفاضة شعبية سنّية بكلّ ما للكلمة من معنى، و«داعش» ليست سوى الشكل التعبيري الذي تمظهرَ من خلاله التحرّك الميداني، هذا الحراك الذي أدخلَ بغداد في مرحلة جديدة لا يمكن التنبُّؤ في طبيعتها، ولكن يمكن بشكل أو بآخر تحديد سقفها الذي يتراوح بين تسوية سياسية تُبعد نوري المالكي وتُعيد توزيع المشاركة في السلطة بالشكل الذي يُعاد فيه الاعتبار للدور السنّي، وبين الفوضى العارمة والحرب المذهبية المفتوحة على غرار الوضع السوري.

وفي الوقت الذي كانت فيه الشكوى في المنطقة متأتّية من العَرقنة وكيفية تجنّبها، تحوّلت المخاوف إلى السورَنة وخطورتها، حيث دخل العراق عصر السورَنة الذي يعني تفكّك الدولة العراقية ودخولها في حروب مذهبية وفي حقبةٍ من عدم الاستقرار المتضرّرُ الأوّلُ منها طهران التي لا يمكن التقليل من حجم الانهيارات التي تعرّض لها مشروعها في المنطقة، بدءاً من النظام السوري الذي تَعطَّل دورُه وأصبح استمراره هو المعجزة بحدّ نفسها، مروراً بالورقة الفلسطينية التي فقدَها مع انطلاق الثورة السورية، كما لبنان الذي لم يتمكّن من التفرّد بحكمِه، وصولاً إلى العراق الذي دخلَ مرحلة الانهيار، الأمر الذي يعني بداية انتهاء مشروع الدولة الشيعية في المنطقة.

وفي حال تبيّنَ أنّ الوضع العراقي يتّجه إلى مزيد من الفوضى لا الضبط، يعني أنّ ميزان القوى في المنطقة سيختلّ، وهذه المرّة على حساب محور الممانعة الذي كان سُوِّق أنّ الانتخابات السوريّة تشكّل تحوّلاً استراتيجياً، فيما هي خطوة إعلامية تنمّ عن ضعف لا عن قوّة، فجاءه الردّ من العراق الذي قلبَ الأمور رأساً على عقب، وقد تكون المعارضة السورية المستفيدة الأولى والمباشرة من هذا التطوّر الذي سيدفعها في الأسابيع المقبلة إلى تحقيق انتصارات ميدانية نتيجة العامل المعنوي كما العملي في إعادة تنظيم المواجهة وتوزيع الأدوار بين مكوّنات محور الممانعة على الساحتين السورية والعراقية.

وفي لبنان قد تدفع التطوّرات العراقية باتجاهين: عودة الأمور إلى ما قبل تأليف حكومة الرئيس تمّام سلام، وهذا الاتجاه لا يبدو ممكناً في ظلّ إصرار كلّ القوى على تحييد لبنان عن تداعيات الحدَثين السوري والعراقي، والاتّجاه الآخر إلى تسريع الحلول السياسية بدءاً من الانتخابات الرئاسية بُغية إقفال أيّ ثغرةٍ يمكن أن تنفذ منها الأحداث الخارجية.

ولكن التطوّر العراقي يجعل موضوعيّاً 14 آذار في موقع أقوى وأفضل، فيما الطرف الذي يُفترَض فيه المبادرة من أجل التنازل، للتلاقي في مساحة مشتركة هو «حزب الله»، ولذلك حرقُ المراحل والمزايدة عبر الإسراع في توفير ما يسمّى بأحزمة الأمان الوطنية يشكّل إساءة للخط الوطني السيادي.

فما حصل في العراق يعني انتفاء حظوظ العماد ميشال عون الرئاسية، وتحوّل 14 آذار إلى موقع مَن يسمّي ويقترح، و8 آذار إلى الموقع الذي مهمته فقط الموافقة على أحد الأسماء المقترحة من الحركة السيادية.