إنتهت الجولة الأولى من الورشة التشريعية التي بدأها المجلس النيابي، وكان حصادها إقرار مجموعة كبيرة من مشاريع واقتراحات القوانين، وكذلك وعد بجلسات تشريعية أسبوعياً للبتّ في ما تُنجزه اللجان النيابية من بنود وملفات مطروحة على مائدتها. وفيما البلد غارقٌ في درس الصيَغ الانتخابية، علمَت «الجمهورية» أنّ الأمين العام للجامعة العربية أحمد ابو الغيط سيزور بيروت اليوم لساعاتٍ، للقاء الرؤساء الثلاثة ميشال عون، نبيه بري وسعد الحريري. وتأتي هذه الزيارة لتهنئة رئيس الجمهورية بانتخابه، والبحث في الوضع العربي والتحضيرات للقمّة العربية في عمان في 29 آذار المقبل. وكذلك يصل غداً وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري إلى لبنان، على أن يزور لبنان لاحقاً مبعوث أميريّ كويتي ناقلاً رسالةً شخصية من أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح إلى عون تُهنّئه بانتخابه وتدعوه إلى زيارة الكويت.
إذا كان هذا الزخم الذي انطلقت به الورشة التشريعية مرشّحاً لأن يسحب نفسَه على الأداء الحكومي مع إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري عزمَ حكومته على إنتاجية ملحوظة في المرحلة المقبلة، فإنّ البلد دخلَ فعلياً في مرحلة الغوص عميقاً وجدّياً في الملف الانتخابي، وسط اتّجاه معلَن لدى مختلف الأطراف، نحو بَلورة صيغةٍ انتخابية جديدة بديلة لقانون الستين. لكن أمام هذه النوايا السياسية المعلنة، تبقى العبرة في التنفيذ.

وتنشَط الاتصالات في مختلف الاتجاهات لجَوجلة مجموعة من الطروحات والأفكار في شأن قانون الانتخاب العتيد، وتشارك فيها بشكل مباشر القوى السياسية الكبرى. وعلمت «الجمهورية» أنّ هذه الأفكار تندرج تحت عنوان : لا انتخابات على اساس قانون الستين.

وبحسب المعلومات فإنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري ومعه «حزب الله» يسوقان هذا المبدأ وكذلك بعض الأفكار لدى حلفائهما. و«التيار الوطني الحر»، وبدفعٍ مباشر من رئيس الجمهورية يشاور حلفاءَه ايضاً، وكذلك تيار «المستقبل» عبر الحريري.

وقالت مصادر مشاركة في الاتصالات لـ«الجمهورية» إنّ «هذه الأفكار تمّت بلورتُها في ضوء سلسلة لقاءات ومشاورات ثنائية وثلاثية عَقدتها القوى الاساسية بعيداً من الاضواء خلال اليومين الماضيين. ويمكن القول إنّ منسوب الإيجابية مرتفع بعض الشيء على طريق إنتاج قانون جديد».

وبحسب المصادر، فإنّ النقطة الأساس في هذه الاتصالات هي كيفية وضعِ الصيغة التوافقية التي تُرضي كلّ الأطراف، وينطوي ذلك ضمناً على محاولةِ حلّ العقدة الجنبلاطية من خلال طرحِ صيَغ انتخابية تبدّد هواجس رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» النائب وليد جنبلاط، خصوصاً وأنه ابلغ سائر القوى المعنية بالملف الانتخابي ولا سيّما رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة وكذلك «حزب الله» بموقفه صراحةً وبخشيته من ان تأتي ايّ صيغة انتخابية على حسابه، مبدياً في الوقت ذاته استعدادَه للنقاش ومؤكداً انفتاحَه على طروحات لا تثير أيّ مخاوف ولا تنطوي على ما تُشتمّ منه روائح محاولات إلغاء أو إقصاء أو تحجيم قد يضمرها البعض.

وإذا كانت القوى السياسية الاساسية قد تعاطت بشيء من التفهّم وحتى التعاطف مع الهواجس الجنبلاطية، إلّا أنّ المبدأ الاساس الذي يَحكمها هو الوصول الى قانون انتخابي جديد يَطوي صفحةَ الستين نهائياً، وكلّ المخلّفات التي تنتج عنه، على ان تكون هذه الصيغة الجديدة منصفةً للجميع، وللبلد بالدرجة الأولى.

والقاعدة الاساس التي يستند إليها هؤلاء مفادُها: «آنَ الأوان لكي ننتهي لمرّة أخيرة من قانون متخلّف، ونذهب الى صيغة انتخابية تلائم العصرَ الحالي، فلا أكثرية تلغي أقلّية، ولا أقلّية تفرض رأيَها على اكثرية، أو تفتعل مطبّات تعطيلية.

وإذ يتفاءل العاملون على خط صوغِ القانون الانتخابي بإمكان التوصّل الى الصيغة التي ترضي الجميع، علمت «الجمهورية» انّ البحث يتركّز على ثلاث نقاط:

النقطة الاولى مركزية، تتمحور حول القانون التأهيلي الذي يَحظى في هذه المرحلة بتأييد شريحة كبرى من القوى السياسية، خصوصاً وأنّه يَمزج ما بين الستّين وصيَغ أخرى عبر اعتماده في القضاء واعتماد النسبية في المحافظة. وتُركّز الاتصالات على الاتّفاق على نسبة التأهيل، وهي تُراوح بين طرحين: 10 في المئة و 20 في المئة.

أمّا النقطة الثانية فهي تتعلّق بتحديد عدد الدوائر الانتخابية وتتراوح بين خمسة دوائر، اي المحافظات الخمس التقليدية، او سبع وربّما اكثر، والبعض يذهب الى اقتراح تبنّي اقتراح الصيغة التي قدّمتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وهي تقسيم لبنان 13 دائرة وفق النظام النسبي.

أمّا النقطة الثالثة فهي إبقاء الباب مفتوحاً على صيَغ أخرى بشرط ألّا تكون مستنسَخة عن الستين أو الستين مجمَّلاً أو معدَلاً، بحيث يكون القانون قانوناً جديداً بكلّ معنى الكلمة.

على أنّ السقف الزمني لهذه المشاورات ليس مفتوحاً لمدى طويل وتحديداً قبل 20 شباط المقبل، موعد دعوة الهيئات الناخية كما ينصّ عليها القانون النافذ، وهو ما أشار اليه وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق أخيراً.

ومِن الأفكار المطروحة أيضاً، والتي يتمّ التشديد عليها، هي الحؤول دون أيّ صيغة انتخابية يتّخذها البعض قاعدةً لإلغاء قوى سياسية أو تحجيم طوائف أو مذاهب، خصوصاً وأنّ مثلَ هذا الأمر يؤسس إلى مشكلة كبرى في البلد، علماً أنّ هناك طروحات لدى البعض، ورفِضت بشكل واضح، وتقول بأن تنتخب كلّ طائفة حتى على مستوى التأهيل نوّابها، من دون تركِ الحرّية لكلّ مذهب أو طائفة صغرى بأن ينتخب نوابه.

عون

في غضون ذلك، أكّد الرئيس عون أنّ الانتخابات النيابية ستحصل في موعدها وفق قانون يتوافق عليه اللبنانيون، ودعا اللبنانيين الى اختيار نوابٍ على انسجامٍ مع بعضهم البعض ليتمكّنوا من تحقيق الإنجازات التشريعية والرقابية التي تهمّ جميع اللبنانيين، معتبراً أنه «في الاتحاد قوّة».

وكشفَ عون أنّ العمل بدأ لإقرار تعيينات وتشكيلات وتغييرات في الإدارات والمؤسسات العامة بهدف تجديد الدم ومكافحة الفساد، وهذا الأمر لا يهدف الى النَيل من احد، بل إلى إنقاذ الدولة من الهرَيان الذي اصابَ بعض مفاصلِها وشرايينها.

وأبدى عون تصميمه على متابعة «مسيرة الإصلاح، ومكافحة الفساد وضبطِ الإنفاق ووقفِ صرفِ بعض الموازنات في غير محلّها من دون ان يتحمّل احد مسؤولية ذلك». وعاهَد اللبنانيين ان يعملَ كي يعود لبنان افضلَ ممّا كان.

إستعدادات «الداخلية»

وأوضَح وزير الداخلية والبلديات أنّه ملزم بإنجاز لوائح الشطب قبل 90 يوماً من تاريخ إجراء الانتخابات، ولكي تجري في ٢١ أيار يجب ان تتم دعوة الهيئات الناخبة وإنجاز كلّ الترتيبات قبل ٢١ شباط.

وفيما أعطى المشنوق إشارةَ الانطلاق الرسمي لإنجاز ترتيبات إجراء الانتخابات النيابية، علمت «الجمهورية» انّ اتصالات سياسية نجحت في إدراج بند تعيين هيئة الإشراف على الانتخابات في جلسة مجلس الوزراء المقبلة.

وكان المشنوق قد وجّه، في سياق الاستعدادات اللوجستية، كتاباً إلى جميع المحافظين دعاهم إلى إعطاء تعليماتهم لـ«الكشف على مراكز أقلام الاقتراع والتثبّت من قدرةِ استيعابها لإجراء الانتخابات النيابية العامة»، والإسراع في إنجاز هذه المهمّة خلال مهلة لا تتجاوز العشرين يوماً.

جنبلاط

وفي المواقف، شدّد جنبلاط على أنّ قانون الانتخاب يجب أن يؤمّن التوازن الدقيق في التمثيل السياسي والمناطقي. وأبدى أمله الكبير بالرؤساء ميشال عون وسعد الحريري ونبيه بري ومعهم القوى السياسية المختلفة، تفهّمَ مطالبِ «اللقاء» المنسجمة مع الطائف.

«الكتائب»

وأوضَح مصدر مسؤول في حزب الكتائب لـ«الجمهورية»: «أنّ ما يهمّ الحزب من الناحية المبدئية هو طيّ صفحة قانون الستين نهائياً في الشكل والمضمون، بمعنى ألّا تُعتمد صيغة تؤدّي إلى النتيجة ذاتها التي يؤدي إليها قانون الستين».

وأكّد انفتاح الحزب «على دراسة كلّ الاقتراحات التي تسمح للناس بالتعبير عن رأيها ولا تكون غطاءً قانونياً لصفقات سياسية لمصلحة البعض وعلى حساب البعض الآخر» .

ولفتَ الى «أن لا أحد فاتَح الحزب جدّياً بأيّ اقتراح لتتمّ دراستُه تقنياً وسياسيا»، واعتبر أنه «مع توافرِ النيّة الحسنة والقرار السياسي، لا يزال التوصّل الى قانون جديد قبل حلولِ موعد المهَل الدستورية للانتخابات ممكناً، لكنّ الخشية لدى الحزب تبقى قائمةً من اللعب على عامل الوقت للإبقاء على قانون الستين أو لتمرير صيغةِ أمر واقع تؤدي الى ما يؤدي إليه قانون الستين من تحكّم مسبَق بالنتائج».

قانون الإيجارات

على صعيد آخر، أسدَل أمس مجلس النواب الستارةَ على قانون الإيجارات القديم، الذي شكّلَ على مدى عقود، أزمةً مزمنة كانت تزداد تعقيداً مع الوقت. وقد تمّ تحرير الإيجارات الجديدة بدءاً من العام 1992، حيث أصبحَ الإيجار حراً، يمتدّ لثلاث سنوات فقط. وبقيَت الأزمة في الإيجارات القديمة، والتي يعود بعضها الى اكثر من نصف قرن.

ورغم أنّ المشترع حاولَ في العام 2014 إنهاءَ ملف الإيجارات القديمة من خلال قانون ينصّ على تحرير تدريجي للإيجارات، إلّا أنّ القانون جاء ناقصاً، وأدّى الى صراعات حادة بين المالكين القدامى والمستأجرين.

وكانت الجلسة التشريعية قد أنهت أمس هذه المشكلة من خلال إقرار قانون 2014 معدَلاً. ومن خلال قراءة التعديلات يتّضح أنّ المالك خسر قليلاً في مسألة تخمين البدل العادل، من 5 إلى 4 في المئة من قيمة المأجور. لكنّ مبدأ التحرير التدريجي ظلّ كما هو، بما يعني أنّ عقود الإيجارات القديمة ستنتهي بعد تسعِ سنوات من نفاذ هذا القانون.

في المقابل، حصَل المستأجر على امتيازات إضافية تتعلق بالمساعدة المالية التي يستطيع أن يحصل عليها في مقابل تحرير الإيجار القديم. لكنّ المشكلة قد تظهر في مكان آخر، على اعتبار أنّ صندوق دعم المستأجرين ستموّله الدولة، وقد تمّت توسِعة شريحة المستفيدين، بحيث أصبحت الشروط تنطبق على القسم الأكبر من المستأجرين. ويبقى السؤال كيف ستدفع الدولة هذه التعويضات، وهل سيتمّ اللجؤ إلى استحداث رسوم وضرائب مخصّصة لتمويل هذا الصندوق؟