تغرق بيروت التي احتلّت معدّلات «السعادة» فيها مستوياتٍ متدنية، في بحرٍ لا يهدأ من المعارك اليومية التي تُحدِث غباراً كثيفاً يطمس الجانب الأهمّ من الصراع الدائر في البلاد، ولا سيما بُعده الاستراتيجي المتمثّل بـ «الأمر لمن»، وما ينطوي عليه التدافع في هذا الاتجاه من محاولاتٍ لفرْض توازناتٍ جديدة، وتالياً تعديل آليات اتخاذ القرار في الجمهورية المعلّقة فوق «فوهة» حربٍ على تَقاسُم النفوذ في المنطقة المشتعلة.

فرغم المعارك الكثيرة وعناوينها، كسلسلة الرتب والرواتب والموازنة وسلة الضرائب والاحتجاجات الشعبية والحملات على المصارف و«حيتان المال» ومافيات البحر والنفط والغاز والهدر والفساد وسوى ذلك، فإن «أمّ المعارك» يختزلها الصراع، الذي بدا وكأنه يدور بـ «السلاح الأبيض»، حول قانون الانتخاب، وخصوصاً بعدما دخلت المناقشات في شأنه مرحلةً تشبه «التصفيات النهائية»، فإما التسليم بقانونٍ يريده «حزب الله» وإما تمديدٌ ما للبرلمان.

وثمة مَن يعتقد في بيروت أن «حزب الله» الذي لم يشأ ان يخسر سورية بـ «الحرب»، لن يسمح بأن يخسر لبنان بـ «السِلم»، وتالياً فإن الحزب الذي دفع بقواته الى سورية للحفاظ على «حبل السرّة» مع إيران وضحّى بنحو 1600 قتيل وأكثر من 8000 جريح للحفاظ على الموقع المُمانِع لسورية، لن يتساهل في إمرار قانون انتخابٍ يُفْقِده القدرة على التحكّم بمقاليد اللعبة السياسية كقوّةٍ مرجّحة تتيح له الإبقاء على الإمرة الاستراتيجية بيده وتعديل آليات اتخاذ القرار اذا اقتضتْ الحاجة.

ففي العام 2011 حين أطاح «حزب الله» بحكومة الرئيس سعد الحريري، بالتكافل والتضامن مع تيار رئيس الجمهورية الحالي العماد ميشال عون، كان الحزب يعتزم الذهاب الى انتخاباتٍ نيابية كانت مقرَّرة في 2013 وعيْنه على «اجتثاث الحريرية السياسية» وتشكيل غالبيةٍ نيابية موالية له وبمعزل عن النائب وليد جنبلاط، الذي كان مُمْسِكاً في حينه بـ «بيضة القبان».

وكانت «خريطة الطريق» التي اندفع «حزب الله» في اتجاهها تقتضي الإمساك بـ «الشرعية البرلمانية» لإحداث تعديلاتٍ في آليات الحكم تعكس فائض القوة التي يتمتّع بها، وهو الأمر الذي لم يحدث بسبب انفجار الثورة السورية واضطرار الحزب للانتقال بترسانته العسكرية الى هناك لحفْظ عُمقه الاستراتيجي ولاعتقاده انه سيكون الهدف التالي إذا أتيح إسقاط النظام في سورية.

ما الذي يحدث الآن في شأن قانون الانتخاب الذي ستتحكم تفاصيله بالتوازنات داخل البرلمان العتيد وبمسار الانتخابات الرئاسية في الـ 2022؟

يمكن القول إنه بعدما أَسقط الرئيس عون القانون الحالي (الستين) بالضربة القاضية وسقطتْ المهل التي تتيح إجراء انتخاباتٍ قبل نهاية عمر البرلمان الحالي في 20 يونيو المقبل، أصبح لبنان أمام 25 يوماً حاسمة، فإما الاتفاق على قانون انتخابٍ جديد يشتمل على إرجاءٍ تقني لبضعة أشهر للانتخابات وإما التمديد للبرلمان الحالي قبل 17 ابريل المقبل لأقلّ من سنة، تجنُّباً لسقوط السلطة التشريعية في الفراغ.

وجَعْل 17 المقبل خطاً أحمر للتمديد في حال لم يتمّ الاتفاق على قانون جديد مردّه الى التحوّط من إمكان ردّ رئيس الجمهورية قانون التمديد في غضون 30 يوماً، ما يضع البرلمان حينها أمام ضرورة معاودة التأكيد على القانون قبل نهاية مايو المقبل وهو موعد انتهاء العقد العادي للبرلمان، الذي يحتاج انعقاده في دورة استثنائية لتوقيع رئيس الجمهورية.

والترجمة السياسية لهذه المواعيد، تعني ان رئيس البرلمان نبيه بري الذي قلَب الأولويات بإعلانه «قانون الانتخاب أولاً»، و«حزب الله» الذي قال كلمته أخيراً، يتّجهان الى وضْع الجميع أمام خياريْن لا ثالث لهما، فإما قانون انتخاب قائم على النسبية الكاملة مع إمكان التفاوض على تقسيمات الدوائر، وإما التمديد للبرلمان الحالي «على جرعات».

وثمة مَن يرى ان «حزب الله» يريد من النسبية الكاملة اصطياد عصفوريْن معاً، الأول منْع «الثنائي المسيحي»، أي «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية» من الفوز بأكثر من 43 مقعداً مسيحياً وحرمانه تالياً من الإمساك بـ«الثلث المعطّل» في البرلمان، والثاني إضعاف رئيس الحكومة سعد الحريري الذي اهتزّت زعامته السنية أخيراً.

وفي تقدير أوساطٍ مهتمة، فإن النسبية الكاملة تمكّن «حزب الله» من التحوّل قاطرة لقيادة تَحالُف عريض يتيح له التحكم بالغالبية في البرلمان، خصوصاً أن هذه الصيغة تجعله قادراً على «الأكل من صحن» الآخرين، أي من البيئات السنية والمسيحية والدرزية، وهو المُمْسك بالبيئة الشيعية.

غير ان دوائر أخرى تشكك في رغبة «حزب الله» بإجراء الانتخابات وميْله إلى التمديد لانشغاله في الحرب السورية المفتوحة وتَزايُد الضغوط عليه بعد مجيء دونالد ترامب الى البيت الأبيض، وهو الذي يجاهر بالعداء لإيران وأذرعها في المنطقة ويلوّح بإجراءاتٍ في هذا الاتجاه.

وتساءلتْ تلك الدوائر كيف يمكن لـ «حزب الله» الذي رفع من مستوى جهوزيته تَحسُّباً لحرب محتملة، أن يدير معركة انتخابية بالغة الحساسية بالنسبة الى مكانته الداخلية، ملاحِظة ارتفاع وتيرة التصعيد العسكري (غارات) والكلامي الاسرائيلي ضدّه.

ورغم «واقعية» هذا الاستنتاج، فإن خبراء ومهتمين يقلّلون من وطأة الاندفاعة الاسرائيلية ضدّ «حزب الله» في سورية ما دامتْ روسيا تلعب دور «ضابط الايقاع» الذي لن يسمح بانفلات الأمور، بدليل أنها تولّت إمرار «الرسائل» الديبلوماسية والعسكرية لتل أبيب بعد تزايُد «الحرْكشات» الاسرائيلية التي بدت وكأنها محاولات «جسِ نبضٍ» بتشجيعٍ من إدارة ترامب.

وهذا الاستنتاج يشي بأن «حزب الله» غير قلِق في سورية على النحو الذي يدفعه الى الإطاحة بالانتخابات النيابية في لبنان، غير ان المخاوف تتزايد من احتمال ان يؤدي تَصاعُد «الاحتكاكات» بالصواريخ والطائرات من دون طيار الى انزلاق الوضع في اتجاه حربٍ لا يريدها اللاعبون... لا اسرائيل ولا الولايات المتحدة ولا «حزب الله» ولا روسيا.