عندما تخجل من أن تسألهم أي سؤال مراعاةً لمشاعرهم، وتهتز مشاعرك التي لا تساوي شيئاً أمام معاناتهم، وعندما تحاول أن تمسح دمعتك كي تمنع دموعهم، وهم في المقابل يستطيعون أن يقولوا كلمات أفضل مما تكتب، حينها ستدرك نعمة الجنة تحت قدمي أمك، تلك الجنة التي قدمتها لنا أمهاتنا في أقصى حدود التعب والعطاء، أما هم فخسروا تلك الجنة.
 

جميُعنا نُحضر ليوم لا تنساه أمهاتنا، من مفاجآت وهدايا وسهرة تجمع شمل العائلة على شرف "ست الحبايب"، لكن وراء ذلك التخطيط هناك من يتمنى وجود أمه في مثل هذا اليوم، فعيد الأم بالنسبة لهم يوم صعب يُذكّرهم بكل تفاصيل حياتهم منذ أن نطقوا بكلمة أمي حتى لحظة وداعها عن هذه الحياة، هو يوم إستعادة شريط ذكريات طفولتهم معها؛ من صورها تحتضن طفلها وهو لا زال يحبو، إلى صور إبتسامتها الدائمة، واليوم كبر ذلك الطفل ومشى على قدميه دون أُمه ومازال طفلاً يريدها لكنها رحلت بإرادة خالقها.


يا ريت بترجع
"يا ريت بترجع" ظلت الكلمة التي استخدمتها ليال (20 عاماً) كثيراً في حديثها عن أمها التي توفيت منذ سبعة أشهر، هذه أول مرة يمر عيد الأم على ليال التي أخذت ملامح وجه أمها معتبرةً ذلك التشبيه أجمل من كل كلمات الغزل. عودة أمها هي أمنيتها الوحيدة في مثل هذا اليوم، ويا لها من أمنية صعبة على ليال التائهة في حياةٍ وصفتها بالفراغ قائلة: "كتير بحاجتك أنا يا ماما، من دونك حياتي فراغ، يا ريت بترجعي لتضحكينا ونعيش متل ما كنا، لأن نحنا ميتين من دونك". وعن إحتفالات عيد الأم السابقة روت ليال إجتماعات العائلة وكم كانت أمها مصدر فرحة ذلك البيت "كنا نقلها انشالله بتعيشي لنبقى نضحك سوا، بس هي يلي ماتت وتركتنا، يا ريت بترجع ونحتفل متل كل مرة". وختمت حديثها بعبارة "مشتقتلك قد الدني".
إقرأ أيضاً: الكوتا النسائية: لبنان في المركز ما قبل الأخير

أما محمد (19 عاماً) الذي توفيت والدته بمرض السرطان منذ حوالي عام ونصف، ظل فترة طويلة يرتب كلماته قائلاً: "أتمنى أن أفارق الحياة قبل عيد الأم"، ثم يصمت حيناً ويقول حيناً آخر كلاماً غير منظم ليجيب منفعلاً: "مش عم بعرف شو بدي إحكي وكيف بلش بالحكي، كل ما بدي إحكي مش عم بعرف سيطر عحالي". وسط ذلك المشهد تُفضل الصمت لأنه الخيار الأنسب في مثل هذه الحالة، لكن محمد أصر على الكلام قائلاً: "لأ بدي إحكي، بدي شيل الوجع يلي جواتي، بدي الكل يحس بوجعي، بدي فش خلقي، وخلي كل الناس تعرف شو صعبة الحياة بدون أم". ثم يشرد قليلاً ليعاود الحديث "بحاول إقنع حالي إنو إمي بعدا بهالحياة وأنا محتار شو بدي جبلا، وبعجق حالي وبقول لازم جيب شي قبل ما يجي عيد الأم، بس بالأخير...." يبتسم قليلاً ثم يكمل: "صح منعيش حياتنا عادي ومنضحك وأنا كتير بمزح، بس إنسى إمي؟ أكيد لأ، كل ما يجي الليل وحط راسي عالمخدة بترجع الذكريات فيي لورا، برجع بتذكر الوجع يلي كانت تتوجعو، برجع بتذكرا وبتذكر شو كانت تقلي، زمان كنت إزعل كانت هي تراضيني، كانت تسأل عني، بس هلق ما في حدا". سورة الفاتحة والوردة هدية محمد لأمه ولازالت غصته تقول: "ما قدرت أهديها كل هالكون وهي عايشي".
إقرأ أيضاً: مريض السرطان يعيش معه ولا يعرفه، قصص من الواقع


أنا لم أنساك 
عندما تتفقد الأم أولادها فرداً فرداً وتلحظ فقدان أحدهم، سرعان ما يخطر ببالها ألف فكرة من أن يكون قد أصابه أي أذى، فكيف لو أن ولدها لن يحضر أبداً؟ 
أم طالب المرأة الصبورة التي ما عادت قادرة على رواية ما حدث لإبنها الأكبر طالب منذ عشرين عاماً الذي توفي في السادسة من عمره بعد أن دهسته شاحنة بالخطأ، وهذا العام تبعه أخاه علي (15 عاماً) إثر تعرضه لصاعقة كهربائية منذ أشهر، وكأنه بوفاته ختم حياة أمه يذكرها من جديد بأخيه.
"هالسنة ما في عيد أم، ولا واحد منا رح يروح عند أمي، ما فينا مستحيل لأن كل عيد كان علي يفاجئها وأكتر واحد يهتم". هكذا علقت إبنة أم طالب على إمتناعها عن معايدة أمها في عيدها خوفاً من أن تتذكر علي مجدداً. 
بغياب الإبن أيضاً لا طعم للعيد بالنسبة للأم، فأم طالب ما عادت تلك الأم المرحة المحبة للحياة، تلك الأم التي ماتت حية مرتين؛ انصدمت بموت إبنها طالب ورأت حياةً جديدة بقدوم علي، لكنها سرعان ما عاد قلبها للموت "أمي انصدمت بموت طالب، ولما إجاها علي صار عنا عيد بالبيت، كان يمسكلا إيديها ويقلها إنتِ كل قلبي، كانت تفكر كيف بدا تجوزو، حتى باليوم يلي توفى في قلها كل ما طلع مصاري بدي جبلك أساور ذهب وتخبيلي ياهن كرمال إشتري بيت."
وعند خروج علي من المنزل لعمله في ذلك اليوم المشؤوم أحست أمه أن جزءاً من روحها يخرج معه من البيت، أحست نفس الإحساس الذي فارقت به إبنها طالب، وظلت حينها منتظرةً علي ليعود وفعلاً عاد، لكن كيف؟ عاد ذلك العريس لتزفه أمه في نعشه.
اليوم في عيد الأم الأفضل أن لا تعلم أم طالب بتاريخ هذه المناسبة، الأفضل أن يمر هذا اليوم كغيره من الأيام، ولعلها تتمنى حضور الغائبين، وتتساءل عن هدايا طالب وعلي من السماء، فصرخة قلبها أقوى من أي قلبٍ جبار، ولا زالت تبكي عندما ترى أطفال بعمر علي، زارت يوماً أحد جيرانها لتطمئن على إبنهم بعد خضوعه لعملية جراحية، مشهد نظرتها إلى ذلك المريض كان صعباً، نظرت إليه كأنها تريد أن تضمه، فهي ترى علي في كل طفل كأنها تقول: "أنا لم أنساك".
إقرأ أيضاً: فلسطين في عيون أطفالها


أنا لا أعرفك يا أمي
تخيل أنك تعيش في منزل وأمك غير موجودة في حياتك اليومية لاسيما منذ طفولتك، وهي بعيدة عنك لا يمكنك أن تراها إلا في فتراتٍ أو مناسباتٍ محددة، تخيل أن تستيقظ من نومك تريدها هي دون غيرها ولا تجدها، أن تكون مريضاً ويكون حنانها هو شفاءك، أن تطمئن عليها عبر الهاتف دون رؤية إبتسامتها، أن تعرف أنها موجودة ولا يمكنكما السكن معاً...
أن يأتي عيد الأم وتتفقد أين أمك ولا تجدها، في ما ترى إخوتك من أم ثانية يجلبون الهدايا لأمهم وأنت غير قادر على التواجد مع أمك هو ما يحدث مع سارة في كل عيد.
سارة، تلك الفتاة الصغيرة (9 سنوات) التي لا يمكنك أن تذهب وتسألها عن أمها المطلقة أين هي الآن، وتكتفي بمراقبتها عن بعد، تعيش حياتين منفصلتين، الأولى مع الأب والخالة والثانية دون الأم الحقيقية، لتشعر بالفرق الكبير عندما ترى إختها تهدي خالتها الهدايا في عيد الأم، وهي تسأل لماذا ليستْ مكانها. سارة أمها الحقيقية موجودة، لكنها لا تعرف عنها الكثير، ولم ترها في حياتها مع أنها سألت عنها كثيراً دون الحصول على إجابة، لكن عندما تكبر حتماً ستعرف الإجابة.

عذراً على ذكر الألم والحزن في مثل هذا اليوم، عذراً يا كل الأمهات، عذراً يا عيد الأم إن أدخلتُ فيك ذكرى موجعة، ولكن هذه القصص خيرُ شاهدٍ لنشكر الله دائماً على نعمة وجود الجنة على الأرض، على نعمة الإستيقاظ صباحاً ويكون أول شخص نراه هو أمنا. قصصٌ صعبة ومن الصعب التحدث عنها، من الصعب أن تسأل الذي يعيشها أي سؤال يذكره بأغلى الناس على قلبه لتشعر أنك تريد التقدم خطوة والتراجع ألف خطوة خوفاً من تذكيرهم بألمٍ نائم يصحو دائماً مع كل دقة إشتياق. ولا يسعنا سوى أن نتمنى الرحمة لكل الأمهات وأولادهم وأن لا نعترض على حكمة رب العالمين الذي بيده يأخذ منا أغلى الناس، وبيده مفتاح شفاء كل أوجاعنا، لعله يرحم في هذا اليوم الجميل ولداً دون أمه، أو أم دون ولدها.