لم يتأخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تطبيق وعوده الانتخابية، ففي أقل من شهرين على تسلمه السلطة تمكن من تحويل المسألة الإيرانية بشقيها النووي والإقليمي إلى قضية دولية، فأصبح الموقف من إيران مفتاحًا للتقارب مع واشنطن أو سببًا للتباين معها. هذه المعادلة تجعل موسكو التي راهنت على فوز ترمب في السباق الرئاسي من أجل انتزاع اعتراف أميركي بنفوذها ومصالحها في المحافل الدولية أمام معادلة صعبة لا يمكن الخروج منها من دون خسائر، حيث أصبح مستقبل التعاون الأميركي مع روسيا في القضايا الكبرى، وخصوصا الإرهاب، مرتبطا بتخلي موسكو عن تحالفها مع طهران.
ففي الوقت الذي تلمح إدارة ترمب إلى إمكانية المقايضة مع موسكو على سوريا شريطة أن تقوم موسكو بإنهاء الوجود الإيراني في سوريا، يصل التعاون الروسي الإيراني في الشرق الأوسط إلى مرحلة تاريخية من التطابق في المواقف، خصوصا في الأزمة السورية، فموسكو التي أمنت طوال 6 سنوات التغطية الدولية للوجود الإيراني في سوريا، وتتعاون اليوم علنًا مع الميليشيات الطائفية الإيرانية التي تحارب إلى جانب الأسد، غير مستعدة للتخلي عن هذه المعادلة التي تؤمن لها كثيرًا من الأرباح السياسية والاستراتيجية بأقل تكلفة، وهي متمسكة بهذه المعادلة على الرغم من التباين في المواقف بين طهران وموسكو الذي ظهر قبل وبعد مؤتمر آستانة، إلا أنه لم يصل إلى مستوى التوتر أو الخلاف العلني. وقد حسم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الجدل عندما دعا الولايات المتحدة إلى الاعتراف بدور «حزب الله» «في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي»، وأضاف: «إنه إذا كانت أولوية الرئيس الأميركي دونالد ترمب هي محاربة الإرهاب، فإنه من الضروري الاعتراف بما قامت به القوات الجوية الروسية، وكذلك فصائل أخرى تدعمها إيران، بما فيها (حزب الله)، ولذلك سيكون من الضروري تحديد الأولويات».
ففي الوقت الذي تحشد فيه إدارة ترمب العالم من أجل اعتبار إيران أحد أكبر مصادر الإرهاب، تدعو موسكو إلى إعادة النظر في الشكوك حول إيران بخصوص دعمها للإرهاب، وتطالب موسكو بانضمامها إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب.
رغبة الرئيس الأميركي ترمب في إعادة تشكيل العلاقة مع موسكو تصطدم بحواجز ضخمة داخل إدارة البيت الأبيض ومراكز صناعة القرار الأميركي، فإدارة ترمب تنقسم إلى جناحين: واحد يرفض إعطاء موسكو دور الشريك، ويضم نائب الرئيس ووزير الدفاع ومدير المخابرات ومدير الأمن الوطني، يقابلهم دعاة التعاون الوثيق مع موسكو في القضايا الدولية، والذين يرون إمكانية فك ارتباطها مع طهران إذا حصلت على ضمانات حول مصالحها وأمنها القومي في الشرق الأوسط وشرق أوروبا، ويمثل هذا التيار كبير مستشاري الرئيس، إضافة إلى وزير خارجيته، ومستشار الأمن القومي الذي قد يتسبب بمشكلة لترمب بعد أن نقلت صحيفتا واشنطن بوست ونيوريورك تايمز عن مسؤولين بارزين في واشنطن أن أجهزة الاستخبارات الأميركية استمعت إلى محادثات جرت بينه وبين السفير الروسي لدى واشنطن، وتبيّن أن الجنرال مايكل فلين نصح السفير الروسي بعدم إبداء ردة فعل على العقوبات التي فرضتها إدارة أوباما ووعده بأن الرئيس ترمب سيتمكن من مراجعتها، وهو أمر قد يفقده موقعه ويشكل انتكاسة مبكرة للمدافعين عن الشراكة مع موسكو على حساب مصالح واشنطن التقليدية في أوروبا والشرق الأوسط.(استقال فلين من منصبه أمس على هذه الخلفية - المحرر).
في المقابل فإن قائمة المطالب الروسية من الولايات المتحدة الأميركية مقابل تخليها عن إيران تتجاوز قدرة الإدارة الأميركية على تلبيتها، وعلى الرغم من رغبتها في إنشاء تحالف استراتيجي مع موسكو فإن نواياها ستصطدم بوقائع المصالح الدولية التي سوف تجبرها على الالتزام بالأمن الجماعي الأوروبي، الذي يرى في موسكو تهديدًا دائمًا له. كما أن الكرملين يدرك حجم الكلفة الباهظة لأي مواجهة مع إيران في سوريا، وهو يعترف بالتفوق الإيراني على الأرض الذي استطاع حماية النظام وتأمينه، لذلك تبدو فكرة تخليه عن إيران في سوريا شبه مستحيلة، وهو أميل إلى التعايش مع هذا النفوذ وتنظيمه، بما فيه مصلحة للطرفين.
باستثناء التصريحات المبهمة لترمب عن أهمية التقارب مع روسيا، لا توجد عوامل تعزز الثقة بين البيت الأبيض والكرملين، الذي لا يستبعد فكرة أن استفراد إيران مقدمة لاستفراده في المستقبل، لذلك تسع دبلوماسيته إلى القيام بمناورة سياسية وتكتيكية للدفاع المدروس والمحدود عنها، أو إقناعها لتقديم تنازلات مؤلمة في عدة ملفات من أجل سلامة نظامها، خصوصًا أن قيصر الكرملين يعلم خطورة استخدام الفيتو بوجه ترمب، خاصة أن حقل الاختبار الإيراني سيعيد تشكيل تحالفات المنطقة ويفرض وقائع جيو - سياسية جديدة على المنطقة والعالم.