لم يخطئ مَن أكّد أنّ زيارة رئيس الجمهورية ميشال عون الى الرياض والدوحة قد فكّت الحصار العربي والخليجي تحديداً عن لبنان. فالمؤشرات دلّت على أنّ الرياض تمتلك مفتاح عودة العرب الى لبنان ففتحت الطريق امام الأمين العام للجامعة العربية ووزير خارجية العراق وموفد أميري كويتي الى لبنان. ما هي الظروف التي فتحت أبواب الهجمة العربية في اتّجاه لبنان؟
 
ما بين السادس عشر والثامن عشر من آب العام الماضي زار وزير الخارجية المصري سامح شكري بيروت في زيارة هي الأولى لوزير خارجية عربي منذ أن حلّ الشغور الرئاسي في قصر بعبدا في 25 ايار 2014. وقيل يومها إنّ شكري ممثل «أم الدنيا» قد فكّ الحصار الديبلوماسي العربي عن لبنان.
 
كانت هذه الزيارة الأولى من نوعها لوزير خارجية بهذا الحجم رغم أنّ وزير خارجية العراق ابراهيم الجعفري كان قد سبقه بأيام الى العاصمة اللبنانية بصفة غير رسمية اكتسبت طابعاً خاصاً جداً مذهبياً ولم ترقَ الى المستوى السياسي والديبلوماسي.
 
إذ تبيّن يومها انه زار الضاحية الجنوبية للتشاور وقيادة «حزب الله» في بعض القضايا التي تعني شيعة العراق في إطار مهمة كان قد اطّلع بها الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله للمصالحة بين قياداتهم وتقريب وجهات النظر لإنهاء الصراع على اقتسام النفوذ والسلطة في ما بينهم.
منذ تلك الزيارة وحتى انتخاب رئيس الجمهورية في 31 تشرين الثاني الماضي، بقيت الطرق مفتوحة بين بيروت ومجموعة من العواصم العربية على مستوى الموفدين وسعاة الخير لتسهيل الإستحقاق الرئاسي.
 
وما أن أُنجز الإستحقاق حتى فتحت الأبواب امام الموفدين الرئاسيين من العرب وعواصم اخرى، الى أن قصد عون المملكة العربية السعودية مفتتحاً عهداً جديداً من العلاقات مع الخليجيين والعرب يمكن أن يقود الى إعادة وصل ما انقطع بين لبنان ومجموعة دول الخليج العربي وفكّ الطوق عن لبنان.
 
وفي هذا الإطار، وتحت هذا العنوان العريض وضعت الزيارة التي قام بها الأمين العام لجامعة الدول العربية احمد ابو الغيط على رأس وفد من كبار مستشاريه الى بيروت لتقديم التهاني للرئيس الجديد وللنقاش في جدول اعمال القمة العربية الدورية السنوية المنوي عقدها في العاصمة الأردنية عمان في 29 آذار المقبل.
فالجامعة العربية تولّت نيابةً عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي تغطية عملية «عاصفة الحزم» في اليمن، ومن بعدها تحوّلت مجلساً لمحاكمة النظام في سوريا فعلّقت عضويّته أوّلاً، وأبعد مندوبوه من مجموعة القمم العربية والإسلامية ومجالس وزراء الخارجية العرب والهيئات والمنظمات العربية والإقليمية التابعة لها وتلك الشقيقة.
 
وما إن عاد عون من الرياض والدوحة بما ناله من ضمانات سياسية وديبلوماسية واقتصادية، حتى فتحت أبواب التعاون بسقوف عالية مجدّداً مع العرب تمهيداً لعودة لبنان عضواً كاملاً ومعافى من أيّ وهن أصابه في تركيبة مؤسساته الدستورية.
 
وهو أمر سينهي أيّ تشكيك في رأس الهرم الدستوري إبان الشغور الرئاسي. وهو ما ستثبته التجارب التي ستواكب عودته وحضوره في القمم والمنتديات العربية برأس واحد وبموقف موحَّد لا يرقى اليه الشك ولا يخضع في كلّ مناسبة لأيّ «فحص دم» كان يواكب مشاركته في أيّ حدث من هذا النوع.
وعليه وكما كان متوقَعاً فقد توالت خطوات الإنفتاح الخليجية المتوقعة في اتجاه بيروت من البوابة السعودية، فجاءت الترتيبات التي بوشرت لإستقبال ثلاثة وزراء سعوديين الاسبوع المقبل لترجمة تفهّمات القمّة لتتزامن مع زيارة موفد اميري كويتي في بيروت خلال الأيام المقبلة لتوسّع «بيكار الإنفتاح» الخليجي على لبنان.
 
وفي المعلومات المتداوَلة في كواليس الزيارة أنّ الموفد وزير كويتي مهمته نقل رسالة شخصية من امير الكويت الى عون مهنِّئاً بانتخابه رئيساً للجمهورية وموجِّهاً إليه الدعوة لزيارة الكويت في أيّ وقت يريده مع الإستعداد لفك الحظر المفروض على الكويتيين لزيارة لبنان تضامناً مع المواقف الخليجية التي واكبت الزيارة المزدوجة الى كلّ من المملكة العربية السعودية وقطر بالإجراءات عينها.
 
وبناءً على ما تقدّم لا تتوقف المراجع الديبلوماسية العربية امام هذه الزيارات كأنها حدث بروتوكولي لا بدّ منه لتقديم واجب التهنئة للرئيس الجديد إنما بدأت تؤسّس لنهج جديد في العلاقة مع لبنان يكرّس حضوره العربي على كلّ المستويات وليعود مقصداً للخليجيين والعرب الذين اكتووا بنار الغربة في الدول الغربية والأوروبية التي لم تعوّضهم عن قصورهم وممتلكاتهم واستثماراتهم في لبنان، وإنّ غداً لناظره قريب.