مع تزايد استخدام شبكات الإنترنت في مختلف شؤون الحياة، وكونه أصبح ضرورة لا غنى عنها، تزايدت بالتوازي معه عمليات البحث عبر المواقع المختلفة.

أحد أهم وأخطر هذه المجالات هي المجال الطبي؛ إذ أخذ العديد من المستخدمين حول العالم يعتمدون على المعلومات التي تقدمها المواقع الإلكترونية، وتطبيقات الهواتف الذكية المتخصصة في مجال الصحة والأمراض بدرجة كبيرة، كمصدر رئيسي ينهلون منه معرفتهم ويتشكل بناء عليه وعيهم الصحي.

ومن منطلق كون الإنترنت قد صار أحد أهم وسائل الإعلام، التي يتم الحصول منها على المعلومات الصحية، بات لزاماً التحقق من مدى صحة هذه المعلومات، التي يتسم الكثير منها بعدم وضوح مصداقيته؛ تفادياً لما قد تُعززه من معتقدات خاطئة، ونتائج أخرى لا تُحمد عُقباها.

في دراسة أجرتها عدة جامعات متخصصة بمدينة سول في كوريا الجنوبية، قام الباحثون بتحليل المعلومات الصحية التي يقدمها 120 موقعاً إلكترونياً، عن حساسية والتهابات الأنف والتهابات الجيوب الأنفية.

ووُجد أن غالبية هذه المواقع لم تُقدم لزوارها المراجع المناسبة للمعلومات التي تنشرها، بالإضافة لعدم ذكر تنبيهات عن الأضرار الجانبية للأدوية المذكورة، كالمخاطر المحتملة والأخرى التي لم تُجر دراسات كافية للتحقق منها.

دراسة أخرى، فحص فيها باحثون بقسم العدوى وصحة السكان التابع لإحدى جامعات المملكة المتحدة 87 تطبيقاً على متاجر جوجل وآبل للهواتف الذكية، مختصة بتقديم معلومات حول الأمراض المنتقلة جنسياً والعدوى التناسلية.

جاءت النتائج أن 13 تطبيقاً فقط منها كانت معلوماتها دقيقة بالكامل، 46 تطبيقاً كانت معلوماتها غالباً دقيقة، وفي 28 تطبيقاً كانت دقيقة جزئياً.

علاوةً على أن 25 تطبيقاً منها احتوت على أكثر من معلومة أو نصيحة من المحتمل أن تكون ضارة

الحمل

أثناء الحمل، يُداهم القلق الأمّ بشكلٍ مستمر، ما يدفعها إلى البحث عن معلوماتٍ طبية حول الحمل، وأي شيء يُمكن أن يثير قلقها.

أوضحت عدد من الدراسات أن غالبية السيدات استخدمن الإنترنت كوسيلة للحصول على معلومات عن الحمل، وقُمن بالبحث عن الأمر مرةً في الشهر على الأقل.

كانت التغذية ونمو الجنين أكثر المواضيع التي اهتممن بالبحث عنها، ورأت أغلبهن أن هذه المعلومات مفيدة وموثوقة.

إلّا أن معظمهن لم يُناقشن هذه المعلومات مع عاملين مختصين بالمجال الصحي؛ مما يجعل هؤلاء المختصين في غيابٍ تام عن المعلومات التي قد يُشتبه في صحتها، والمعتقدات الخاطئة التي قد تُكتسب عن الحمل.

مرض السكري

دراسة أخرى، أجريت للتحري عن كيفية استخدام الأشخاص للإنترنت في البحث حول مرض السكر، وكيف يؤثر مدى الوعي الصحي لديهم على سلوكهم في السعي لاكتساب المعلومات.

أثناء تحليل عمليات البحث التي قام بها قرابة 2 مليون فرد حول معلومات متعلقة بمرض السكر، باستخدام محرك البحث Bing الخاص بشركة مايكروسوفت، تبين أن غالبية المعلومات المتاحة عن هذا المرض تتطلب مستوىً عالياً من القدرة على القراءة، خاصةً الموجودة على المواقع الحكومية.

وأشارت الدراسة إلى أن الأفراد الذين يمتلكون مستوى وعي صحي منخفض قد يواجهون صعوبة في البحث على الإنترنت، والحصول على معلومات مكافئة من المصادر المتاحة، مقارنةً بالأفراد الذين يملكون درجات أعلى من الوعي الصحي.

دراسات لا تخرج بنفس النتائج عن إعادتها

وحتى الدراسات التي تُطالعنا كل يومٍ على المواقع الطبية والإعلامية ليست صحيحة بالكلية.

في العام 2011 أعلن فريق من شركة باير Bayer الألمانية متعددة الجنسيات للصناعات الدوائية والكيميائية، أن 20% إلى 25% فقط من الدراسات التي أعادوا تجربتها للتحقق من نتائجها، أخرجت نتائج مماثلة تماماً للدراسات الأصلية.

أوضح الفريق أيضاً أن نصف الدراسات -على الأقل- التي تم نشرها، حتى تلك المنشورة في أفضل المجلات، لن تُخرج نفس النتائج الأولية إذا ما تمت إعادتها مجدداً في معملٍ صناعي.

قام أيضاً علماء من شركة أمجين Amgen الأميركية متعددة الجنسيات المتخصصة في الصناعات الدوائية والبيولوجية، بإعادة تجربة نتائج 53 دراسة رائدة في مجال بيولوجيا السرطان، أثمرت 6 دراسات منها فقط عن نتائج إيجابية.

يفسر بعض العاملين بالمجال هذه التصريحات الصادمة، بأنها قد ترجع إلى كون المراحل ما قبل السريرية من البحث في تلك الدراسات مبتذلة للغاية، وإلى فشل الباحثين في استخدام عناصر التحكم، إضافةً إلى قيامهم بتجاوز خطوات مهمة كاختبار الكواشف الكيميائية المستخدمة، بجانب إبلاغهم عن البيانات والنتائج بشكل انتقائي.

تأثير الوعي الصحي الخاطئ على العلاقة بين المريض والطبيب

وكشفت دراسة قامت ببحث العلاقة بين سعي المريض في الحصول على معلومات طبية عبر الإنترنت، ودرجة التوافق بين المريض وطبيبه، والامتثال لتعليماته، عن وجود علاقة إيجابية هامة بينهما.

ويشمل التوافق بين المريض وطبيبه، الاتفاق المتبادل بينهما حول ما يتعلق بالمشكلة الصحية لدى المريض، ونظم العلاج الموصى باتباعها من الطبيب.

لا شك أن المرضى المتعلمين، ومن يمتلكون درجات أعلى من المعرفة حول وضعهم الصحي، تزداد درجة التوافق بينهم وبين الطبيب المختص حول وضعهم الصحي والعلاجي.

لذا فإن توافر معلومات طبية لدى المريض حول حالته، قد يؤدي لاتخاذ قرارات بشأن علاجه مبنية على كل من معرفته الخاصة، بجانب معرفة الطبيب، إلا أنه قد يحدث تباين في المعلومات لدى كلا الطرفين، وتختلف المعلومات المتصورة عند المريض عنها لدى الطبيب.

لكن لا يجب أن يقلق الأطباء، فوفقاً للدراسة، درجة وعي المريض تؤثر بدرجة ضعيفة على التوافق.

العامل الأقوى الذي يؤثر على درجة التوافق بين الطرفين هو جودة ومهارة الطبيب، وهذا هو ما يجب أن ينشغل الطبيب بالعمل على تطويره.

(هافينغتون بوست)