كلّ الذين أحبهم... 
نذروا غيابي للصّقيعِ،  
وألبسوني بردَهمْ... 
قالوا: نعودُ، فلا تبعثرُ سكّةً بالشعرِ... 
أعطوني وعودًا بالإيابِ...
وكبّلوني بانتظارِ الانتظارْ...
قالوا: ولا تبكي علينا، ربما تنسى غدًا
أنّا نسيناكَ الغدَ الماضي 
وصارَ رحيلُنا سلسًا، فهل لا زلتَ 
تنتظرُ القطارْ؟ 
ولِمَ تُعلّقُ آيةَ الكُرسيِّ 
في فمِكَ النديْ...
وتعدُّ نفسكَ للنوافذِ، وهْيَ قد تركتْكَ 
دونَ مراكبٍ أو جلّنارْ...
إرحلْ وخُذْ ذكراكَ عنّا، 
وانتظرْ رَكْبًا جديدًا وابتعدْ...
فالبعدُ أكبرُ كذبةٍ للوقتِ وهْوَ المنتهى لمّا انتهينا 
في يديه...
فلا تكونُ سوى بعيدٍ، واحذرِ الآمال، 
فاليأسُ الكبيرُ نجاةُ كلِّ العاشقين...
فكُنْ كغيرِكَ يائسًا،
واحملْ بغربتِكَ الجديدةِ ما تركته  
سابقًا...
وتعلّمِ الموتَ البطيءَ هناك في قبرِ الكلام...


كل الذين أحبّهم... 
تركوا رسالاتي وغابوا كي 
أحبّ الانتظارْ...
كان القطار هُنا سريعًا...
كلّ أحبابي نسوني عاجلًا...
إلا أنا لمْ أنسَ ذكراهم...
ولم أنسَ القطارْ...
أعطيتهم كلّ الملذّاتِ السّعيدةِ،
وانشقَقْتُ بغيبتي عنهمْ، 
وقلتُ لهم بأنّي لن أسافرَ بعدُ...
فافترسوا بقائي في موائدِهم...
كما جرحوا المدى، كي لا أرى أفقًا سواهمْ... 
واختبأتُ بظلّهم 
لما أرادوا أن يهدّوا لي ظلالي...
واحتموا طولَ المسافةِ باندفاعي نحوهم...
حلفوا بألّا يتركوني، 
شرّبوني ماءهم...
شيئًا فشيئًا 
ثمّ أعطوني دروسًا في العطَشْ...  
فشربتُ ذكراهم على مَهَلٍ...
وقلتُ لآخري الشّخصيّ: يذهبُ ذا القطارُ غدًا
ويأتي غيرَهُ،
فانسَاهُ لأنه
كلّ الذين تحبّهمْ رحلوا".