هذه مقابلة جرت مع الشيخ عباس حطيط مع صحيفة عكاظ السعودية التي توجهت له بسؤالين . 
السؤال الأول : 
كيف تنظر البيئة الشيعية لتساقط شبابها في سوريا ومن يتحمل المسؤلية؟
الجواب : 
في البداية، علينا أن نفرق بين نظرة شيعة لبنان لمشاركتهم في الحرب السورية بين نظرتهم بداية الحرب ونظرتهم اليوم .
ففي بداية الأزمة السورية، وقبل أن يتدخل حزب الله عسكريا في سوريا، تلقى شيعة لبنان تهديدات علنية وكبيرة وجادة من عدة جهات تدير المعارضة السورية، ومفادها أن "دور شيعة لبنان هو التالي بعد إسقاط النظام السوري الحالي" !!.
ونحن كشيعة لبنان لنا تاريخ في التعرض لهجمات كبيرة ومدمرة من محيطنا في بلاد الشام، وقد قمنا بواجبنا في صد تلك الغزوات المتكررة على مر قرون، والتي وللأسف جاء بعضها من قبل إخوة لنا في الدين، سواء في غزوات المماليك أو العثمانيين أو في غزوة الجزار قبل قرنين من الزمن، حيث أحرق قرى جبل عامل (جنوب لبنان حاليا) حتى وصل الأمر إلى الغزوات اليهودية الإسرائيلية منذ تأسيس هذه الجرثومة التي تسمى "إسرائيل" وحتى الآن .
وعندما رأى شيعة لبنان ما يحل بالعراق بعد الغزو الأمريكي سنة 2003 من إرهاب وتقتيل مريع من قبل نفس الفكر الذي صدرت منه التهدادت ضدنا من سوريا، وبعدما تخلى إخوتنا العرب عنا في هذه التهديدات، بل إن بعض هذه التهديدات "الجادة" صدرت من قنوات إعلامية تبث من عواصم خليجية يفترض أن تكون عواصم تعصم الدم المسلم، لا أن تسمح بل وتشارك في التحريض على سفك دم من يستحق ومن لا يستحق من المسلمين لمجرد "خلاف عقائدي" لا يخرج أحدا من دينه الذي عصم دمه وماله وعرضه . عندها فهم شيعة لبنان أن هناك مؤامرة كبرى يجري تنفيذها ضدهم . إضافة إلى بدء بعض أطراف المعارضة السورية بالتنفيذ الفعلي لهذه التهديدات، حيث وثب الجار السني "الذي تم تحريضه" على جاره الشيعي في كل مناطق سوريا، وتعرض له بالأذى الذي وصل إلى حد القتل، لمجرد أن جاره يعتقد بالعقيدة الشيعية، ولو لم يكن له أي دور في النزاع، رغم العشرة الطيبة والطويلة بينهما . وقد علمت شخصيا بهذه الممارسات من نفس الذين تعرضوا لها، ومنهم لبنانيون شيعة كانوا يقطنون في سوريا منذ سنوات طويلة، مما اضطرهم إلى العودة إلى بلدهم لبنان . أضف إلى ذلك الممارسات الشنيعة بحق مراقد أولياء وصالحين وصالحات تم نبش قبورهم التي أودعوا فيها منذ زمن بعيد !!
 وهنا كان لا بد لشيعة لبنان أن يعملوا على منع تكرار  تلك الغزوات التاريخية التي تعرضوا لها في عقر دارهم، والتي بدأت تلوح في الأفق ملامح تكرارها، فطبقوا القاعدة النبوية الحربية التي يعتمدها كل عاقل شجاع، وهي : "أغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا" ، ومهما كان الثمن، فإنه لن يكون أكبر من الخسائر التي ستلحق بنا لو تم غزونا في ديارنا .
أما نظرة الشيعة اللبنانيين اليوم لتدخلهم في سوريا، فإنهم باتوا يدركون أن الأمور ذهبت باتجاه آخر، وتحول جزء كبير من الشعب السوري العزيز إلى مظلوم، وخصوصا بعد التدخل الروسي "الخبيث" الذي يكرر الفجائع التي ارتكبها الصرب "إخوة الروس" بحق مسلمي البوسنة في التسعينات، وارتكبه الروس بحق مسلمي الشيشان الأبطال الذين يفتخر شيعة لبنان ببطولاتهم في حرب التسعينات بين روسيا والشيشان . 
وقد آل الأمر في الحرب السورية إلى أن التحق جزء كبير من شباب سوريا بجبهات القتال ضد النظام ومن معه بسبب الكيفية التي تعامل بها النظام معهم ومع أحيائهم وأبنائهم الذين كان جل ذنبهم أن ضابطا في الجيش السوري باع منطقة تحت سلطته لمجرمين، فكان الرد بتدمير تلك المنطقة وارتكاب الفظائع بحق أطفالها ونسائها، مما دفع برجال تلك المناطق إلى القتال ضد النظام ومن يقف معه، بغض النظر عن سياسة الجهة التي التحق بها للقتال معها .
وهذه الحقيقة هي مقتضى الفطرة البشرية، وندركها جيدها من خلال ما جرى في الحرب الأهلية اللبنانية في القرن الماضي، وكيف كانت تجري الأمور وأسباب التحاق الشباب بجبهات القتال مع هذا أو ذاك !.
ما يجري الآن . أقول الآن، في سوريا ولا سيما في حلب، هو فتنة عمياء طخياء ليس فيها لله تعالى رضا، وهذه الفتنة هناك ترضي شياطين الجن والأنس فقط وفقط، وهي تغضب أهل السماء وصالحي أهل الأرض . ولذلك، لا بد من وضع حد للإقتتال الدائر هناك بين المسلمين وبأي طريقة، ولو كان عبر هدنة طويلة، يبقى كل طرف يسيطر فيها على منطقته، حتى يتم إيجاد الحل النهائي لهذه الجريمة الكبرى التي تشارك فيها كل الأطراف، والتي باتت سببا لحروب ستنفجر في المستقبل بين المذاهب الإسلامية بسبب الأحقاد التي خلفتها هذه الفتنة الشامية العمياء .
السؤال الثاني : إلى أين يأخذ حزب الله شيعة لبنان ؟
الجواب :
قيادة حزب الله "الحالية" كانت مؤيدة من قبل أكثر شيعة لبنان في أخذها قرار التدخل العسكري "المبدئي" في سوريا . حيث سبق وذكرت في جوابي على سؤالكم السابق عن سبب قناعة شيعة لبنان بأحقية القتال هناك أول الأمر . 
إلا أن المنحى الذي اتخذته الحرب في سوريا اليوم، ولا سيما القتال في مناطق حلب البعيدة عن حدود لبنان، وفي الوقت الذي نرى فيه قادة الدول الراعية لمعركة حلب -من كل الأطراف- تجلس فيما بينها على طاولة المصالح الاقتصادية والسياسية التي تتقاسمها في غير مكان في المنطقة والعالم، والخسائر المدنية التي تقع بحق أطفال ونساء وعجزة حلب العزيزة الجريحة، يدفعني للتأكيد على أن ما يجري هناك هو نزاع بين السلاطين ولا شأن لله تعالى به ولا لعباده المؤمنين، ولا سيما بعد أن نعرف أن جزءا كبيرا من مقاتلي المعارضة قد التحقوا بجبهات القتال هناك، ليس ﻷنهم تكفيريون، وكيف يكونون كذلك وهم يقاتلون المجموعات التكفيرية أساسا، حتى بات بينهم داحس وغبراء، بل جزء كبير جدا من هؤلاء الرجال قد التحقوا بالجبهات نتيجة الظلم والإجرام "غير المبرر" الذي لحق بهم وبعوائلهم من النظام أو الصليب الروسي الأرثوذكسي أو الدواعش الذين هم صنيعة هؤلاء وغيرهم من عواصم خليجية ما كنا نتوقع منها إلا الخير !
من هنا، فشيعة لبنان مقتنعون "بالمبدأ" أن القتال في سوريا تحت راية حزب الله أمر واجب، مع التأكيد على أنهم غير موافقين على كل المعارك التي تدخلهم فيها قيادة حزب الله "الحالية" كمعركة حلب وبعض المعارك الأخرى .
هدفنا كشيعة لبنان من التدخل في سوريا، كان الدفاع "الإستباقي" عن شيعة لبنان الذين تعرضوا للتهديد بالإبادة في حال سقط نظام سوريا، والدفاع عن المراقد المقدسة في سوريا من التدمير والإهانة، والتي من غير المستبعد أن يكون بعض أطراف النظام السوري هو من قام بالتعرض لها "خفية" ﻹيهام شيعة العالم أن مراقدهم المقدسة تتعرض للخطر من قبل بعض الأطراف "التكفيرية" للمعارضة السورية حتى يتم جرهم للقتال معه ضد المعارضة كلها كما عاد وحصل !!.
لذلك، فإن النقاش اليوم داخل شيعة لبنان هو عن الغاية النهائية التي تريدها القيادة الحالية لحزب الله من تدخلها في سوريا، وعن أحقية هذه المعركة أو تلك، حيث بتنا نرى أن القيادة الحالية للحزب قد دخلت في معارك لا شأن لنا بها، بل لا نقبل أن نقاتل فيها إخوة لنا في الدين، قد دفعهم ظلم لا يطاق إلى حمل السلاح ضد النظام السوري والصليب الروسي، بسبب جرائم لا يسكت عنها شريف شجاع .
نحن شيعة لبنان نرسل رسالة الأخوة والمحبة والمواساة والتآخي ﻹخوتنا السوريين الذين جزء كبير جدا منهم هم فئة مظلومة تدافع عن نفسها في هذه الفتنة العمياء . ونحن كشيعة لبنان لسنا راضين عن كل المعارك التي قررت قيادة الحزب الحالية الدخول فيها، بل نميز بين معركة نخوضها ضد البغاة التكفيريين وبين المعارك التي تخاض ضد فئة مظلومة من الشعب السوري وشبابه العزيز . ونحن "كشيعة لبنان" لا نتحمل وزر قرار القتال ضد كل من حمل السلاح ضد النظام، بل نحن نتحمل "فقط" مسؤولية قرار القتال ضد البغاة الذين بغوا على السوريين أنفسهم وهددونا بالبغي علينا، بل ومارسوه فعليا ضدنا في سوريا ولبنان . وأما غير ذلك، فنحن نبرأ إلى الله تعالى من تلك الدماء البريئة التي تسفك بغير حق . فإن مسلمي بلاد الشام اليوم قد وقعوا في فخ نصبه لهم مشركوا الشرق والغرب، حتى سالت دماؤهم بأيدي بعضهم أنهارا، وحقق أعداء الإسلام بأيدينا ما عحزوا عن تحقيقه بأيديهم لعقود طويلة، ومن دون أن تسقط لهؤلاء المشركون الأعداء قطرة دم واحدة !!
فأين الله تعالى من هذا أيها المسلمون ؟!
أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ؟!...

 

 

 

عكاظ