بعد مرور أكثر من خمس سنوات على انطلاق الشرارة الأولى للأزمة في سوريا فإن الوقائع الميدانية تطورت بشكل دراماتيكي لتعم الحروب المسلحة والمعارك كافة الأراضي السورية وتتخطى حدود المطالبة الشعبية بإصلاح النظام وتتحول إلى صراع إقليمي ودولي حول المستقبل السياسي لسوريا وتركيبة النظام فيها والفترة الانتقالية للدولة من حكم الرئيس الحالي بشار الأسد إلى نظام ديمقراطي تشكل المعارضة جزءا وازنا فيه. 


وفي المعلومات التي تم تسريبها من كواليس الدول المعنية بالشأن السوري تشير إلى نضوج نوع من التوافق الاميركي- الروسي بخصوص الحل للأزمة السورية، مع التأكيد على أن تقرير وضع النظام ومصير الشعب بات في أيدي القوى الخارجية الدولية والإقليمية وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق بين الطرفين لصالح الدور الأميركي.

وهذه نتيجة طبيعية بعد خروج الأزمة من أيدي السوريين وذلك لتعذر أي طرف من أطراف الصراع من حسم الوضع لصالحه، إذ أنه لا النظام استطاع هزيمة المعارضة ولا المعارضة استطاعت إسقاط النظام فتحولت سوريا إلى نقطة صراع للقوى الدولية والإقليمية فضلا عن دخول عوامل أخرى على الأزمة وأهمها وأكثرها تعقيدا دخول الجماعات الإرهابية التي انتشرت بشكل واسع على كافة الأراضي السورية بحيث أتيح للنظام والقوى المتحالفة معه إيران وروسيا وباقي التنظيمات المسلحة الأخرى حرف الصراع من كونه صراعا بين النظام وسائر شرائح الشعب المتنوعة من أجل التغيير السياسي وإصلاح مكامن الفساد في الدولة وإقامة نظام ديمقراطي وإعطاء الناس مساحة من الحرية للتعبير عن الرأي إلى كونه صراعا ضد الجماعات الإرهابية والتكفيرية.

إذ أنه وعلى الرغم من بقاء الصراع الأول إلا أن الصراع الثاني طغى على المشهد السوري وبات يحتل الأولوية عند القوى الخارجية المعنية بالمشكلة السورية.

 
وتجدر الإشارة إلى أن هذه التوافقات الأميركية الروسية تفيد بأن الملف السوري بات في يد روسيا وذلك على حساب الدور الإيراني. وهذا بالتأكيد سيؤدي إلى تحجيم مكانة إيران في سوريا وتحجيم دورها في تقرير مصير هذا البلد وسيفضي إلى نشوء نوع من التباين بينها وبين الدولة الروسية. 


وإذا كانت هذه التوافقات الأميركية الروسية ستؤدي إلى نوع من الحظر الجوي ووقف القصف بالبراميل المتفجرة مما يخفف من معاناة السوريين ووضع حد لتشردهم وتهجيرهم وبالتالي قد تفضي إلى حل سياسي انتقالي وفقا لأعلان جنيف وقرار مجلس الأمن الدولي /2254 / وإقامة هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة.

إلا أن الشكوك والهواجس تبقى قائمة مع إمكانية تلاعب النظام وروسيا بهذا الأمر والتملص منه كما حصل في التوافقات السابقة، أي أن الوضع يتطلب ضمانات تفيد بأن الإدارة الأميركية حسمت موقفها وأن الأمر ليس متروكا لروسيا.

 
لكن ومع هذا تبقى الأزمة السورية مفتوحة على كل الاحتمالات سيما وأن دوائر القرار الأميركي منهمكة بالتحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة في شهر تشرين القادم، وكذلك فإنه لا يمكن إغفال العامل التركي بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة وانشغال الرئيس التركي بتصفية خصومه ومدى تأثير ذلك على عوامل الصراع في سوريا..