حمل الثناء الأميركي المفاجئ على دور إيران في مواجهة تنظيم داعش في العراق بوادر تغيير في “قواعد اللعبة” التي جمعت مؤخرا بين واشنطن وطهران على أرض العراق، من التنافس الشديد على تعظيم نفوذ كلّ منهما هناك من خلال محاولة تزعّم الحرب على التنظيم المتشدّد، إلى التوافق وتوزيع الأدوار وتقاسم المغانم وهو الأساس الذي كان اجتمع عليه الطرفان عند غزو العراق واحتلاله سنة 2003.
ومن خلال تصريحات لكلّ من وزير الخارجية الأميركي جون كيري، والمبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي بريت ماكغورك، بدا أن الولايات المتّحدة مسلّمة بالدور الإيراني في الحرب على داعش بالعراق ومستعدة للتعامل معه كأمر واقع.

ووصف كيري وجود إيران في العراق بـ”المفيد” لجهود بلاده في التصدي لداعش معتبرا التنظيم عدوا مشتركا لواشنطن وطهران، فيما عمل مبعوث الرئيس الأميركي إلى التحالف الدولي ضد داعش بريت ماكغورك على شرعنة ميليشيات الحشد الشعبي والتقليل من خطورة جرائمها وتجاوزاتها أثناء الحرب.

وجاء هذا الثناء الأميركي غير المألوف على الدور الإيراني في العراق خلال إجابة كيري عن سؤال وجه له أثناء حضوره مهرجان “أفكار آسبن” بشأن تقييمه لذلك الدور إن كان نافعا أم ضارّا.

وقال كيري “انظروا، علاقتنا مع إيران تواجه تحديات كما يعلم الجميع، ونحن نتعامل مع تلك التحديات”، مضيفا “لكن أستطيع إخباركم بأن وجود إيران في العراق كان مفيدا بطرق معينة، ومن الواضح أنّ طهران تُركز على داعش، ولذلك لدينا مصلحة مشتركة في الواقع”.

وأضاف وزير الخارجية الأميركي قوله إنّه مع نظيره الإيراني جواد ظريف يمكنهما الآن حل الأزمات العالمية بسهولة أكبر والتواصل مباشرة.

وأولى المحلّلون السياسيون أهمية كبيرة لكلام كيري معتبرين أنّه امتداد للتغيّر العام الذي أحدثته إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران. وربط هؤلاء التغير في الموقف من إيران بالوضع في الإقليم عموما، معتبرين إن “مغازلة” كيري لإيران لا تخلو من رسالة إلى تركيا التي بدت قيادتها بصدد الهرولة باتجاه روسيا.

ويذكّر مراقبون بأنّ لواشنطن وطهران أرضية واسعة من التوافق بشأن العراق تعود إلى أيام غزوه واحتلاله، وتقوم على العمل المشترك على إخراج البلد من المعادلة الإقليمية بإضعاف دولته وتفكيكها وإحياء نوازع الطائفية والعرقية في مجتمعه.

وتقتضي العودة إلى هذه الأرضية من الولايات التحوّل من التنافس مع إيران على قيادة الحرب ضدّ داعش في العراق استعدادا لمرحلة ما بعد التنظيم إلى التنسيق معها على أساس تقاسم مكاسب تلك الحرب.

مغازلة وزير الخارجية الأميركي لإيران لا تخلو من رسالة إلى تركيا التي بدأت قيادتها بالهرولة سريعا باتجاه روسيا
وفيما أتاحت الحرب على داعش في العراق لإيران أن تترجم سيطرتها السياسية على المشهد العراقي إلى سيطرة ميدانية من خلال ميليشيات الحشد الشعبي الذي يعتبره البعض جيشا إيرانيا رديفا على الأراضي العراقية، فقد مكّنت ذات الحرب الولايات المتحدة مجدّدا من ضمان تواجد عسكري لها في العراق يوصف بالذكي والمركّز من خلال مجموعة من القواعد، يقدّر عددها بأربع قواعد إلى حدّ الآن وتضمّ حوالي خمسة آلاف عنصر من نخبة القوات الأميركية.

ومن البديهي أن تشمل الاستدارة في الموقف الأميركي من الدور الإيراني في العراق الاعتراف بدور الميليشيات الشيعية، والتغاضي عن جرائمها وتجاوزاتها بحق المدنيين.

وعبّر عن ذلك بوضوح مبعوث الرئيس الأميركي للتحالف الدولي ضد داعش، بريت ماكغورك، بالقول إن “الميليشيات الشيعية التي تدعمها إيران أغلبها مفيد في العراق، رغم أن البعض منها يتمرد ويرتكب تجاوزات”.

وأضاف ماكغورك، “نعتقد أن أغلب قوات الحشد الشعبي تعمل تحت سيطرة الدولة العراقية، ولكن قرابة 15 إلى 20 بالمئة منها لا تعمل تحت سلطة الحكومة”.

وكان الصمت الأميركي على مشاركة ميليشيات الحشد الشعبي في معركة مدينة الفلّوجة التي أعلن مؤخرا عن انتهائها، قد دفع المراقبين إلى القول بوجود ضوء أخضر من الولايات المتحدة لتلك المشاركة رغم حجم الاعتراضات والتحذيرات من انزلاق المعركة باتجاه الانتقام الطائفي وهو ما حدث فعلا من خلال الاعتداءات الكثيرة التي تراوحت بين الاعتقال والتعذيب والقتل ونهب الأموال والممتلكات التي مارستها الميليشيات الشيعية ضدّ السكان السنّة لمدينة الفلّوجة.

وكان الضغط الأميركي قد نجح قبل ذلك في تحييد الميليشيات عن الخطوط الأمامية لمعركة استعادة مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، وإجبارها على لعب دور ثانوي يتمثل في الإسناد بالخطوط الخلفية.

أمّا في الفلّوجة فكان دور الميليشيات كبيرا، ويبدو أن الضوء الأخضر الأميركي رفع طموح قادتها، لتجاوز مجرّد المشاركة في الحرب إلى احتلال المدينة والبقاء فيها، بحسب ما صرّح به نائب رئيس الحشد الشعبي أبومهدي المهندس الذي قال إنّ “قوات الحشد الشعبي ستبقى في كل أماكن تواجدها الحالية ولن تترك مواقعها، بل ستبقى تمسك بالأرض”، مضيفا أنّ “الحشد ليس شيئا إضافيا، وإنما هو جزء أساسي ومهم من القوات المسلحة، وستبقى هذه القوات حشدا وجيشا وشرطة في كل بقاع أرض العراق ومن ضمنها قضاء الفلوجة”.

وعلّق مصدر عراقي على التغيرات في الموقف الأميركي من التدخل الإيراني في العراق بالقول إن الولايات المتحدة لم تكن مضطرة إلى تبني سياسة الأمر الواقع خيارا وحيدا لعلاقتها بما يجري في العراق لولا أنها ساهمت في صنع ذلك الخيار حين صمتت أولا عن مشاركة الحشد الشعبي في العمليات القتالية، بالرغم من أن تلك المشاركة كانت موضع اعتراض من أهالي المناطق المنكوبة بداعش، وثانيا عن الانتهاكات التي مارستها فصائل من الحشد في العديد من المناطق التي تمت استعادتها من قبضة داعش وكان آخرها الفلوجة.

وقال إن التساهل الأميركي تجاه الحشد هو ما شجع أمراء الميليشيات على الإعلان صراحة عن مشروعهم في التطهير الطائفي من غير أن يخشوا الاتهام بارتكاب جرائم إبادة.

وحذّر من أن خطة إفراغ المدن ذات الغالبية السنية من سكانها ماضية في طريقها، وأنّ هناك اليوم الملايين من المشردين، من غير أن يكون هناك أمل في عودتهم إلى مدنهم المدمرة، فيما يقابل الأمر بإنكار رسمي لوجود أولئك المشردين.

 

 

 

العرب