كشفت أزمة النفايات التي غرق فيها لبنان خلال الأسبوعين الماضيين، عن عقم الطبقة السياسية التي تحكمه، والمدى الذي بلغته عملية إضعاف المؤسسات السياسية والدستورية والإدارية، وصولاً الى شلها والتسبب بانهيارها وتسخيفها وإخضاعها لممارسات غريبة عنها.

 

 

ولعل أبرز ما حققته هذه الأزمة التي شغلت المواطن اللبناني عن كل شيء آخر، أنها سواء من قصد أم من غير قصد، حجبت عمق الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان ومؤسساته نتيجة تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، والتي أنتجت سلسلة من المشاكل والعقد المتعلقة بالصلاحيات في ممارسة السلطة في ظل الشغور الرئاسي.

 

 

قبل النفايات اخترع جزء من الطبقة الحاكمة غطاء ما زال قابلاً للاستعمال من أجل التغطية على أزمة الشغور الرئاسي، هو الحديث عند بعض الفئات عن أن البلد في أزمة نظام، ويحتاج الى مؤتمر تأسيسي، والحقيقة أن أزمة النظام في لبنان قائمة منذ تأسيسه، وهي تتلخص بطائفيته، التي تُنقص من مدنية الدولة والمؤسسات، وتنشئ زبائنية طائفية ومذهبية، لها مرجعيات خارجية. إلا أن أياً من الذين يقولون بوجود أزمة نظام لا يجرؤ على الذهاب، فعلاً لا قولاً، نحو إلغاء الطائفية السياسية. ولذلك يتأرجح الذين يلعنون هذا النظام بين الدعوة الى تعديل اتفاق الطائف وبين القول بنقيض ذلك، أي بتطبيق الطائف وتثبيته، باعتباره الصيغة الفضلى لتقاسم متوازن للسلطة بين الطوائف، لأن أياً من النافذين لا يملك الصيغة البديلة التي تحفظ هذا التوازن.

 

 

كشفت أزمة النفايات عن أن وراءها مجموعة من العوامل، بدءاً بالشلل الذي أصاب الدولة نتيجة الأزمة السياسية، والتنافس على المنافع المالية من هذه التجارة الوسخة في صفقات لم تكتمل، وغياب الكفاءة والشفافية في إدارة هذا الملف، انتهاء باستخدام البيئة وصحة الناس في المناورات السياسية الانتهازية لرمي المسؤولية من هذا الفريق أو ذاك على غيره.

 

 

والمضحك المبكي أن تزامن كارثة النفايات مع الأزمة السياسية، شكل للبعض منصة لإعادة طرح أزمة النظام السياسي الذي يتمسكون به ضمناً أكثر من غيرهم. إنها ذروة الإلهاء عن الأزمة السياسية التي أخذت تمس الحياة اليومية للناس. فهل يعقل الاستنتاج أن العجز عن رفع نفايات العاصمة يعود الى أزمة النظام السياسي الذي يشكل الغطاء النموذجي للفساد السياسي والمالي؟ ومن هو المواطن الصالح الذي يمكن أن يقتنع بأن الانتقال الى نظام آخر يحقق شراكة أكبر للمتباكين على الدور باسم التمثيل الطائفي، وأن أي نظام جديد سيحول دون تراكم النفايات مجدداً؟

 

 

بعدما أزكمت أزمة النفايات أنوف المواطنين والطبقة السياسية فجرى رفعها من الشوارع لنقلها الى مكبات موقتة ستعود رائحة القمامة السياسية للتحكم بالحياة السياسية، بعدما حجبتها النفايات المنزلية لبعض الوقت، وسيكتشف اللبنانيون أن أصلها ومصدرها هو شل المؤسسات بهدف تعطيل السلطة المركزية، وأنها سليلة الشغور الرئاسي الناجم عن الخلاف بين اللبنانيين على خيارات مركز القرار على الصعيد الإقليمي. الى أي محور سينحاز الرئيس العتيد الذي يشكل نقطة التوازن داخل السلطة المركزية؟ ما هي خياراته الإقليمية في ظل الحروب الدائرة على امتداد الإقليم؟

 

 

لا يعني هذا الكلام أن أزمة النفايات اللبنانية تفاقمت لأن الاتفاق على النووي لم يشملها، إذا كان يتبادر الى ذهن المرء أن منشأها هو الصراع الإقليمي. بل إن المقصود أن هذه الأزمة هي وليدة عجز اللبنانيين عن التوافق على الخيارات السياسية للدولة. وهو عجز يقود الى تفتيت المؤسسات وإلى تحويل الدولة اللبنانية دولة فاشلة أسوة بدول نخرتها الحروب الأهلية وضربت عقدها الاجتماعي التناقضات المذهبية في محيطها، وصولاً الى ربط إنقاذها باستسلام مكوناتها لخيارات بعينها.

 

 

قد يكون الجيش اللبناني أقل المؤسسات التي تأثرت حتى الآن بالفوضى الناجمة عن أزمة الخيارات السياسية الإقليمية التي تضرب لبنان إلى أجل غير مسمى. والسبب أن الظروف ساعدته على تحييد نفسه عن الصراع حول هذه الخيارات.