من يراقب فضائيات البلدان العربية، ويقرأ بياناتها السياسية وتصريحاتها الإعلامية، ويشاهد تباكيها على الشعب السوري، الذي ظل يرزح لأكثر من ثلاث سنوات تحت رحمة القاصفات والراجمات والعبوات الناسفة، ويعيش أدق تفاصيل الاشتباكات الدامية والمجازر البشعة، ويتنفس بصعوبة تحت مقصلة الترويع والتجويع، ويشرب كؤوس الموت غصة بعد غصة في متوالية مأساوية مذهلة. لم تزل تصب نيرانها وحممها فوق رؤوسهم. من يشاهد فضائيات العرب ويسمع تصريحاتهم يظن كل الظن أن البلدان العربية لبست ثوب الحزن واتشحت برداء الحداد على الشعب السوري المنكوب، وأنها تقاسمت معه رغيف الخبز، ووفرت الملاذات الآمنة للمنكوبين والمفجوعين، وقدمت لهم المساعدات السخية.

الحقيقة المرة التي لا يعلمها معظم الناس. أن البلدان العربية المتباكية الآن على الشعب السوري، هي التي تغلق منافذها الحدودية بوجوههم، وهي التي تمنعهم من المرور والعبور فوق أراضيها وفي مياهها وأجوائها. فالأقطار الخليجية التي تستقبل على أرضها من هب ودب من أبناء كوكب الأرض، تشترك كلها في رفض مرور السوريين بذرائع أمنية وإجراءات احترازية لم تطبقها على أعدائها، فهي تكتب على طلباتهم عبارة حمراء بالخط العريض (يًرفض الطلب لأسباب أمنية).

حتى طواقم السفن الأجنبية المترددة على الموانئ الخليجية، التي يعمل السوريون على ظهرها، والتي تحكمها الاتفاقيات البحرية الدولية، غير مسموح لهم بمغادرة سفنهم إلا في حالات نادرة وفي حدود ضيقة ولدقائق معدودات.

قبل بضعة أيام وصلت السيدة السورية (س ي) إلى مطار دبي قادمة من اللاذقية عن طريق مطار بيروت، وكانت معها طفلتها (غ) لتلتحق بالسفينة الأجنبية الراسية على أرصفة ميناء الشارقة، والتي يعمل عليها زوجها الكابتن (خ ع ع). لكنهم لم يسمحوا لها بالانتقال من المطار إلى الميناء على الرغم من توسلها وبكائها، فمكثت في صالة المطار أكثر من يومين بانتظار وصول الطائرة العراقية التي ستنقلها إلى مطار البصرة لتلتقي بزوجها بعد إقلاعه بسفينته من الشارقة وتوجهه إلى موانئ شط العرب.

ربما يقول قائل منكم أن المعايير الطائفية هي التي تتحكم بقرارات المنافذ العربية، فنقول له: كلا وألف كلا. لا فرق عند إدارات تلك المنافذ بين السوري العلوي والشيعي والسني والمسيحي والدرزي والكردي والعربي. فالسوريون كلهم غير مصرح لهم بعبور بوابات الأنظمة العربية في المغرب والجزائر وليبيا وتونس ومصر والسودان واليمن والسعودية وسلطنة عمان والإمارات والبحرين وقطر والكويت، باستثناء العراق والأردن ولبنان، بينما تشترك إيران وتركيا وإسرائيل باستقبالهم من دون أي تحديدات طائفية أو عرقية، ومن دون أي أوراق رسمية.

نحن نتكلم هنا عن شعب مظلوم مفجوع منكوب ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وأغلقت بوجهه حدود الأشقاء العرب، ووضعوا تحت أقدامه أسلاكهم الشائكة، من دون أن ترفق به حكوماتهم التي ماانفكت تذرف الدموع على الشعب السوري، وماانفكت تقدم له مساعداتها السخية، التي ظلت ترسلها له بلا انقطاع على هيئة قنابل وألغام وعبوات ناسفة ومنفلقات حارقة وراجمات صاعقة وعربات مصفحة وخناجر قاطعة.

https://www.youtube.com/watch?v=N3x3efJD_3M