ما يحصل في الملف الرئاسي مثير. والأرجح أنّ النقاش تَجاوز الأسماء، وبات معروفاً، إلى حدٍّ بعيد، مَن هو المرشّح الأوفر حظاً. ولكن مَن يُفرج عن موعد الإنتخابات؟ وفي عبارة أخرى: لقد نضَجت التسمية، فمتى تنضج التسوية؟

خرَج الإستحقاق الرئاسي من أيدي مسيحيّي «8 و14 آذار» على السواء. ففي العلن، عطّل رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع وصول رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون، فردَّ عون بتعطيل العملية الإنتخابية برمَّتِها.

ولكن، في العمق، «حزب الله» هو الذي عطَّل إنتخابات الرئاسة إلى مرحلة سيَرتفع فيها سعر الإستحقاق كثيراً، فيَبيعه بالغالي. كما عطَّل التوافق على أيّ مرشح، لإعتقاده أنّ الجميع سيصلون إلى مرحلة يتخلّون فيها عن إعتراضاتهم وتحفّظاتهم، ويدعمون المرشح الذي يختاره، وهو ليس عون.

ويوماً بعد يوم، يتكرَّس ضغط البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي نحو الإنتخابات، تحت عنوان: نرفض تطيير الإنتخابات والرئاسة إنتظاراً لتوافق «8 و14». وباتَت بكركي تميل إلى الصيغ التوافقية المتيسِّرة، لأنّها أفضل من الفراغ.

فإذا توافق ذوو القرار من الشيعة والسنَّة وما أمكن من قوى مسيحيّة، تحت غطاء بكركي، على مرشَّح يحفظ هيبة الرئاسة، فهو سيكون توافقياً. وفي أيّ حال، سيكون وجوده أفضل من الفراغ القاتل للرئاسة والجمهورية ودور المسيحيين.

وهذا الموقف يتقاطع مع قول الرئيس سعد الحريري، قبل أسبوعين، «لا نستطيع أن نتفرّج على تعطيل دائم للنصاب بحجّة غياب التوافق المسيحي». وتزامن هذا الموقف مع وساطة يخوضها النائب وليد جنبلاط من أجل تسوية شاملة للإستحقاقات، قادته إلى لقاء الرئيس نبيه برّي والأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله.

وفي الإستنتاج، هناك سعي إلى مرشح توافقي بعد إستبعاد المرشحين من «8 و14 آذار». وفي المطلق، لا مشكلة بين الشيعة والسنّة في إيجاد هذا المرشح. لكنّ قادة المسيحيين، على صراعاتهم وتنافرهم، يعتبرون أنّ هذا التوافق يؤدي إلى إختيار رئيسٍ ضعيف للجمهورية، ويُكرِّر معادلة الحلف الرباعي. وبقيَت بكركي نفسها تُحاذر تسويةً من هذا النوع إلى أن وقع الفراغ، فتبيَّن لها أنّ تسوية الحدّ الأدنى تبقى أضمن للمسيحيّين من الفراغ.
والأسماء «التوافقية» المطروحة بالعشرات.

وهناك مرشحون تعتقد بكركي أنهم يتمتّعون بالمواصفات التي تُرضيها. وربما هناك أولويات في ترتيب الأسماء. وقد لا يكون الإسم الذي يحظى بالتقاطع الأوَّل في أفضليات البطريرك، لكنّه موجود في اللائحة على الأرجح.

وعند هذه النقطة ربما ترسو التسوية. وإزاء إستعجال بكركي وقوى مسيحيّة وتيار «المستقبل» وجنبلاط لإنتخاب رئيس للجمهورية وإنهاء الفراغ، تبدو الكرة في ملعب «حزب الله» الذي عليه أن يقول:

أولاً: هل حانت لحظة الإنتخابات، وفقاً لروزنامته، أم إنه باقٍ على قارعة الإنتظار؟

ثانياً: إذا كان يريد الإنتخابات قريباً، فمَن هو مرشحه، وماذا تتضمَّن سلّة التسويات؟

الإجابة عن السؤال الأوّل ليست جازمة. فربما يعقد «الحزب» هدنةً تقتصر مفاعيلها على إنتخاب رئيسٍ للجمهورية في مقابل التمديد للمجلس النيابي قبل الخريف. لكنّه ربما يراهن على متغيّرات داخلية وإقليمية تستدعي إبقاء الرئاسة في وضعية الفراغ، ثمّ يستخدم الواقعَ المأزوم ورقةَ ضغط لتحقيق أرباح أكبر بكثير، أيْ لفرض المؤتمر التأسيسي على الجميع.

أما الإجابة على السؤال الثاني فتبدو أقل تعقيداً. وواضح أنّ «الحزب» يخبّئ إسم مرشحه حتى اللحظة الحاسمة. وفي غمرة إنشغاله في معارك عرسال- الهرمل- جرود القلمون السورية، قد تكون ملامح الإنتخابات الرئاسية قيد التبلور.

ولذلك يعتقد كثيرون أنّ الخلاف على التسمية إنتهى عملياً، وأنّ البحث جارٍ عن مصير الإنتخابات. وفي رأي هؤلاء أنّ هناك مرشحاً بات عند عتبة القصر، لكنّ موعدَ الدخول هو المسألة.